Follow by Email

dimanche 4 octobre 2015

من القانون الرعوي للقديس غريغوريوس الكبير البابا (الكتاب 2، 4: PL 77، 30- 31) ليكن الرّاعي حكيمًا في صمته، ومفيدًا في كلامه


    ليكُنْ الرَّئيسُ حكيمًا في صمتِه ومفيدًا في كلامِه. حتى لا يتكلَّمَ حيث يجبُ أن يسكُتَ، ولا يسكُتَ حيث يجبُ أن يتكلَّمَ. فكما أنَّ الكلامَ في غيرِ محلِّه يمكنُ أن يُوقِعَ في الضَّلال، كذلك الصَّمتُ في غيرِ موقعِه يمكنُ أن يُبقِيَ في الضَّلالِ من كانَ يَقدِرُ أن يَهدِيَهم بكلامِه. قد يَخشَى أحيانًا بعضُ الرُّؤساءِ غيرِ الأكفاءِ أن يَفقِدوا تقديرَ النَّاسِ لهم، فيخافون أن يقولوا الحقَّ بصراحةٍ. إذّاك تصحُّ فيهم كلمةُ الحقِّ سبحانَه: إنّهم لا يحرسون القطيعَ بغَيْرةِ الرُّعاةِ، بل يتصرَّفون مثلَ الأجير: إذا جاءَ الذئبُ هربوا، ذلك إذا اختبَأوا في صمتِهم.
    ولهذا يؤنِّبُهم الرَّبُّ على لسانِ النَّبيِّ فيقول: "كُلُّهُم كِلابٌ بُكمٌ لا يَستَطِيعُونَ النُّبَاحَ" (أشعيا ٥٦: ١٠). ويشكوهم أيضًا بقولِه: "لَم تَصعَدُوا إلَى الثُّلمَةِ، وَلَم تُشَيِّدُوا جِدَارًا لِبَيتِ إسرَائِيلَ لِلثَّبَاتِ فِي الاقتِتَالِ فِي يَومِ الرَّبِّ" (حزقيال  ١٣: ٥).
    "الصُّعودُ إلَى الثُّلمَةِ" يَعني مواجهةَ سُلُطاتِ هذا العالمِ بكلامٍ حرٍّ صريحٍ في سبيلِ الدِّفاعِ عن القطيع. "والثَّبَاتُ فِي الاقتِتَالِ فِي يَومِ الرَّبِّ" هو المقاومةُ في سبيلِ العدلِ والتصدِّي للأعداءِ المهاجمين.
    الخوفُ من قولِ الحقِّ واللجوءُ إلى الصَّمتِ أليسَ هو للرَّاعي مثلَ الهربِ ؟ فمَن قدَّمَ نفسَه في سبيلِ القطيعِ "يشيِّدُ جدارًا للدِّفاعِ عن بيتِ إسرائيل". ولهذا يقولُ مرَّةً ثانيةً للشَّعبِ الآثِمِ: "أنبياؤُكَ رَأَوْا لَكَ البَاطِلَ والبَهرَجَ، وَلَم يَكشِفُوا عَن إثمِكَ لِيُبَدِّلُوا مَصِيرَكَ" (مراثي ٢: ١٤). يُسمَّى الأنبياءُ أحيانًا في الكُتُبِ المقدَّسةِ بالعلماء، لأنهم يُظهِرون الحوادثَ المقبِلة من خلالِ إشاراتِهم إلى الحاضرِ الزائلِ. وقد يؤنِّبُهم الله إذا تنبّأوا نبُؤَاتٍ كاذبةً، وذلك عندما يخافون أن يُشيروا إلى الخطايا، فيتملَّقون الخطأةَ وعبثًا يَعِدُونهم بالأمان، ولا يكشفون آثامَ الآثمِين لأنَّهم يصمُتون بدلًا من أن يؤنِّبوا.
    مفتاحُ الكشفِ هو كلامُ التَّأنيب، لأنَّ التَّأنيبَ يكشفُ الخطيئة، وغالبًا ما يكونُ الخاطئُ نفسُه غيرَ عارفٍ بخطيئتِه. وفي هذا يقولُ بولسُ الرَّسول: "لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى الوَعظِ فيِ التَّعلِيمِ السَّلِيمِ وَالرَّدِّ عَلَى المخَالِفِينَ" (طيطس ١: ٩). وقالَ الله على لسانِ النَّبيِّ ملاخي: "لأنَّ شَفَتَيْ الكَاهِنِ تَحفَظَانِ المعرِفَةَ وِمِن فَمِهِ يَطلُبُونَ التَّعلِيمَ، إذ هُوَ رَسُولُ رَبِّ القُوَّاتِ" (ملاخي ٢: ٧). ويحذِّرُ الرّبُّ بفمِ أشعيا النبيِّ فيقول: "نَادِ بِمِلءِ فَمِكَ وَلا تُمسِكْ، ارفَعْ صَوتَكَ كَالبُوقِ" (اشعيا ٥٨: ١). 
    مُهمَّةُ المنادي إذًا هي مهمَّةٌ يَقبلُها كلُّ من يَقبَلُ الكهنوت، حتى يتقدَّمَ متدرّجًا وينادي أمامَ الدَّيّانِ الذي سيأتي والذي سيكونُ مجيئُه رهيبًا. فإن كانَ الكاهنُ لا يَعرِفُ أن يعظَ، فبأيِّ هتافٍ يمكنُ أن يهتفَ المنادي الأبكم؟ ولهذا قالَ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حلَّ على الرُّعاةِ الأوّلِين بصورةِ ألسِنَةٍ، لأنَّ الذين مَلأَهم جعلَهم أناسًا قادرِين على الكلام.