Follow by Email

jeudi 25 février 2016

من كتابات القديس هيلاريوس الأسقف في المزامير (مزمور 127، 1- 3: CSEL 24، 628- 630) في مخافة الله الحقيقية



"طُوبَى لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الرَّبَّ، وَفِي سُبُلِهِ يَسِيرُونَ" (مزمور ١٢٧: ١). كُلّما وردَ الكلامُ في الكتابِ المقدَّسِ على مخافةِ الله، يجبُ أن نلاحظَ أنَّ الكلامَ لا يبقى محصورًا على المخافةِ وحدَها، وكأنّها تَكفِي لكمالِ إيمانِنا، بل يُضافُ إليها أو يَسبِقُها أمورٌ كثيرةٌ تُكمِّلُ معنى المخافةِ وتُتمِّمُها. ونعرفُ ذلك مثلًا ممّا جاءَ في سفرِ أمثالِ سليمان حيث قال: "إن نَادَيْتَ الفِطنَةَ، وَأطلَقْتَ إلَى الفَهمِ صَوتَكَ، إنِ التَمَسْتَهُ كَالفِضَّةِ وَبَحَثْتَ عَنهُ كَالدَّفَائِنِ، فَحِينَئِذٍ تَفطَنُ لِمَخَافَةِ الرَّبِّ" (أمثال ٢: ٣-٥).
إنّنا نرى هنا أمورًا كثيرةً سبقَتْ، حتى يَصِلَ المرءُ إلى مخافةِ الله.
يجبُ أوّلا الابتهالُ إلى الحكمة. ثم يُفوَّضُ العقلُ للنَّظرِ في الأمر. ثم يجبُ البحثُ والتعمُّقُ في الحكمة. وبعدَ ذلك يمكنُنا أن نُدرِكَ مخافةَ الله. وأمّا بحسبِ طريقةِ المعرفةِ العامّةِ للفَهمِ البشريِّ فلا يُرَى الأمرُ كذلك، في ما يختصُّ بالمخافة.  
فالخوفُ هو ارتعاشٌ ناجمٌ عن ضعفِ الإنسانِ الذي يخشى دائمًا أن يُصيبَه ما لا يُريد. يتنبَّهُ هذا الخوفُ فينا ويثورُ عندما نُحِسُّ بخطإ فينا، أو حينَ نواجِهُ مَن هو أرفعُ مِنّا، أو إذا هاجمَنا قويٌّ، أو تعرَّضْنا لمرضٍ، أو واجَهَنا حيوانٌ مفترسٌ، أو أيُّ هوًى شِرِّير.
ليسَتْ هذه هي المخافةَ التي نعلّمُها، إنما ينجُم هذا الخوفُ من عَجزٍ في الطَّبيعة. ولا حاجةَ لأن نتعلَّمَ ما يجبُ أن نخافَ منه، لأنَّ الأمورَ المُرعِبَةَ تَصُبُّ تِلقائيًّا رُعبَها فينا.
وأمّا عن مخافةِ اللهِ فقد كُتِب: "هَلُمُّوا، أيُّهَا البَنُون، وَلِي استَمِعُوا، مَخَافَةَ الرَّبِّ أُعَلِّمُكُم" (مزمور ٣٣: ١٢). فما يجبُ أن نتعلَّمَه هو مخافةُ الله، لأنَّ المخافةَ بحاجةٍ إلى تعليم. ولا نتعلَّمُ بالرُّعبِ بل بالمعرفة. وهذه المعرفةُ لا تبدأُ بارتعاشٍ في الطَّبيعةِ، بل بالمحافظةِ على الوصايا وبأعمالِ السِّيرةِ الحسنةِ وبمعرفةِ الحقيقة.
وتقومُ مخافةُ اللهِ في نظَرِنا بمحبَّةِ الله، والمحبَّةُ الكاملةُ تكمِّلُ المخافة. وتقومُ محبَّتُنا بما هو خاصٌّ بها، أي بالإصغاءِ إلى التَّنبيهات، وبالطَّاعةِ للأوامر، والثِّقةِ بمواعدِ الله. وَلْنَستمِعْ إلى الكتابِ يقول: "وَالآنَ، يَا إسرَائِيلُ، مَا الَّذِي يَطلُبُهُ مِنكَ الرَّبُّ إلَهُكَ إلا أن تَتَّقَيَ الرَّبَّ إلَهَكَ سَائِرًا فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَمُحِبًّا إيَّاهُ، وَعَابِدًا الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وَكُلِّ نَفسِكَ، لِكَي تُصِيبَ خَيرًا" (تثنية ١٠: ١٢). 
إنَّ طُرُقَ الربِّ كثيرة، مع أنَّه هو نفسُه الطَّريق. فعندما يتكلَّم على نفسِه يُسمِّي نفسَه الطَّريق، ويبيّنُ لماذا يُسمِّي نفسَه الطَّريقَ حينَ يقول: "لا يَمضِي أحَدٌ إلَى الآبِ إلا بِي" (يوحنا ١٤: ٦).
يجبُ أن نميِّزَ بينَ الطُّرُقِ الكثيرة، ونبحثَ في أمورٍ شتَّى، حتى نجدَ الطَّريقَ الواحدةَ الصَّالحة. وبعد البحثِ والتَّفكيِر في العللِ والأسبابِ الكثيرة نجدُ الطَّريقَ الواحدةَ المؤدّيةَ إلى الحياةِ الأبديّة. هناك طُرُقٌ بحسبِ الشَّريعة، وطُرُقٌ بحسبِ النُّبُوءات، وطُرُقٌ بحسبِ الأناجيل، وطُرُقٌ بحسَبِ الرُّسُل، وطُرُقٌ بحسَبِ العملِ بمختلَفِ الوصايا، وطوبى لمن يسيرُ فيها بمخافةِ الله.