Follow by Email

jeudi 18 février 2016

من مواعظ القديس أَستِيرْيوس أسقف أماصْيَا (في شمال تركيا اليوم) (العظة 13: PG 40، 355- 358 و362) لنقتدِ بمثالِ الرعايةِ الذي قدَّمَه لنا الربّ


إن أردْتُم أن تكونوا مثلَ اللهِ الذي خُلِقْتُم على صورتِه فاقتدوا بمثالِه. أنتم مسيحيّون، وهذا الاسمُ نفسُه كرامةٌ لكم وللإنسانيّة، فاقتدُوا بمحبّةِ المسيح.
تأمّلوا في غِنَى صلاحِ الله. لمّا أرادَ أن يأتيَ إلى الإنسانِ عن طريقِ الإنسان، أرسلَ أمامَه يوحنا دليلًا ومبشِّرًا بالتَّوبة، وقبلَ يوحنا أرسلَ الأنبياءَ كلَّهم، فعلَّموا النَّاسَ ليتوبوا ويعودوا إلى الطَّريقِ ويرتدّوا إلى سيرةٍ أفضلَ.
ولمّا جاءَ هتفَ هو نفسُه بفمِه: "تَعَالَوْا إلَيَّ جَمِيعًا، أيُّهَا المُرهَقُونَ المُثقَلُونَ، وَأنَا أُرِيحُكُم" (متى 11: 28). وكيف عاملَ الذين سمعوا صوتَه؟ منحَهم فورًا مغفرةَ خطاياهم، وخلَّصَهم بسرعةٍ وفي اللحظةِ نفسِها من كلِّ مَضَايِقِهم: الكلمةُ قدَّسَهم، والرُّوحُ ثبَّتَهم، والإنسانُ القديمُ فيهم دُفِنَ في مياهِ المعموديّةِ، والمولودُ جديدًا أزهرَ وأَينَعَ بالنِّعمة. 
وماذا حصلَ بعدَ ذلك؟ الذي كانَ عدوًّا صارَ صديقًا. والغريبُ صارَ ابنًا. والخاطئُ صارَ مقدَّسًا ووَرِعًا.
لنقتدِ بمثالِ الرِّعايةِ الذي قدَّمَه لنا الرَّبُّ: َلْنَتأمَّلْ في الأناجيل، وَلْنَقتَدِ بمثالِ الصَّلاحِ والعنايةِ الذي نراه فيها كفي مرآةٍ.
ففي الأمثالِ والتَّشابيهِ التي وردَتْ فيها أرى راعيًا كان يَرعَى مئةَ خروف. ولمّا ابتعدَ واحدٌ منها وشردَ تائهًا عن القطيع، لم يبقَ مع المئةِ التي ظلَّتْ تَرعَى بنظام، بل ذهبَ يبحثُ عنه، فتجوّلَ في الأوديةِ الكثيرةِ والغابات، وتسلَّقَ الجبالَ الشَّاقّةَ والشَّاهقة، وسارَ في القفارِ بمشقَّةٍ كبيرةٍ يبحثُ حتى وجدَ الخروفَ الضَّالّ. 
ولمّا وجدَه لم يضرِبْه، ولا دفعَه دفعًا بالقوَّةِ إلى القطيع، بل حملَه على كَتِفَيْه وعاملَه باللِّين حتى أعادَه إلى القطيع، وقد شعرَ بفرحٍ لوجودِ هذا الخروفِ أكبرَ من فرحِه بالخرافِ الباقية. لِنَتأمَّلْ في التَّشبيهِ والرَّمزِ الكامنِ في هذا المثل. فالخروفُ هنا لا يَعنِي فقط خروفًا ما، ولا الرَّاعي هو أيُّ راعٍ، بل هناك معنى آخَرُ للمَثَلِ.
تتضمَّنُ هذه الأمثالُ تعاليمَ مقدَّسة. فهي تعلِّمُنا ألّا نعتبرَ أيَّ إنسانٍ هالكًا وميئوسًا منه. وإذا تعرَّضَ أحدٌ للخطرِ لا نُهمِلْه، ولا نتَلَكّأْ في مدِّ يدِ المساعدةِ إليه، فنعيدَ إلى الطَّريقِ السَّوِيِّ هؤلاء الذين حادوا عنه وتاهوا، ونفرحَ بعودتِهم، ونضمَّهم إلى حياةِ الجماعةِ الصَّالحةِ والورِعة.