Follow by Email

mercredi 24 février 2016

من كتابات القديس إيرناوس الأسقف في الرَّدِّ على الهراطقة (الكتاب 4، 14، 2-3؛ 15، 1: SC 100 ،542- 548) علَّم إسرائيل بالأمثال ليخافوا الله ويحفظوا وصاياه


    خَلقَ اللهُ الإنسَانَ مُنذُ البَدءِ مِن فَيضِ صَلاحِهِ. ثُمَّ اختَارَ الآبَاءَ مِن أجلِ خَلاصِهِم. وَأَعَدَّ لَهُ شَعبًا، وَعَلَّمَ مَن لا يَعلَمُ أن يَتبَعَ الله. وسبقَ فأرسلَ الأنبياءَ ليعلِّموا النَّاسَ في الأرضِ أن يَحمِلوا الرُّوحَ في أنفسِهم، وأن يظَلُّوا على اتّصالٍ بالله. لم يكُنْ هو بحاجةٍ إلى أحد، بل هم المحتاجون إليهم ولهم منحَ شَرِكَتَهُ. وللذين وجدوا حُظوَةً في عينَيْه بيَّنَ لهم تدبيَر الخلاصِ الذي رسمَه مِثلَ مهندسٍ بارع. وللذين لم يرَوْه في مصرَ قدَّمَ نفسَه غِذاءً، وللتَّائهين في البرّيّةِ أعطى أفضلَ شريعة، والذين دخلوا في الأرضِ الطَّيِّبةِ أورثَهم إيّاها، وللذين رَجِعُوا إلى بيتِ الآبِ ذبَحَ العِجلَ المسمَّنَ وألبسَهم الحُلَّةَ الثَّمينة. كذلك أعدَّ الجنسَ البشريَّ بطرقٍ كثيرةٍ لكي ينالوا الخلاص.
ولهذا قالَ يوحنا في سفرِ الرؤيا: "وَصَوتُهُ كَمِيَاهٍ غَزِيرَةٍ" (رؤيا ١: ١٥). نعم، روحُ اللهِ هو مِثلُ مياهٍ غزيرةٍ، لأنَّ الآبَ غنيٌّ وكثيرُ المراحمِ. وكانَ الكلمةُ حاضرًا في كلِّ حال، يُجزِلُ مواهبَه من غيرِ حسابٍ لكلِّ من أطاعَه، ويحدِّدُ للجميعِ شريعةً ملائمةً ومناسِبةً لكلِّ حال. 
فبيَّنَ للشعبِ كيفَ يصنعون الخيمةَ، وكيف يبنون الهيكلَ، وكيف يختارون اللاويّين، ويقدِّمون الذبائحَ والقرابينَ وشعائرَ التَّطهير، وما إلى ذلك، محدِّدًا كلَّ خدمةٍ بحسبِ الشَّريعة.
وهو لا يحتاجُ إلى أي أحدٍ أو شيءٍ من ذلك كلِّه، فهو الفائضُ دائمًا بكلِّ الخيرات، والمالكُ في ذاتِه، مِن قَبلِ أن يكونَ موسى، كلَّ رائحةٍ طيّبةٍ وكلَّ بخورٍ وعِطرٍ زكيٍّ. ولكنَّه أرادَ أن يُعلِّمَ الشَّعبَ الذي كانَ يَرجِعُ بسهولةٍ إلى الأصنام.  فعلَّمَه الثَّباتَ في خدمةِ اللهِ بطرقٍ ووسائلَ كثيرة. نبّهَهم بالأمورِ الثَّانويّةِ إلى ما هو أهمُّ وأَوَّلِي، أعني قادَهم من الصُّورةِ إلى الحقيقة، ومن الأمورِ الزَّمنيّةِ إلى الأبديّة، ومن الجسدِ إلى الرُّوح، ومن الأرضيّاتِ إلى السَّماويّات، كما قالَ لموسى أنْ "اصنَعْ عَلَى المِثَالِ الَّذِي يُعرَضُ لَكَ فِي الجَبَلِ" (خروج ٢٥: ٤٠).
مدَّةَ أربعين يومًا ظلَّ الشَّعبُ يتعلَّمُ أن يحفظَ كلامَ الله وأوامرَ السَّماءِ والصُّوَرَ الروحيّةَ والرُّموزَ الدالَّةَ على الأمورِ المستقبَلة، كما قالَ بولسُ الرَّسول: "كَانُوا يَشرَبُونَ مِن صَخرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَتبَعُهُم، وَهَذِهِ الصَّخرَةُ هِيَ المَسِيحُ" (١ قورنتس ١٠: ٤). وقالَ أيضًا في ما جاءَ مُسبَقًا في الشَّريعة: "وَقَد جَرَى لَهُم ذَلِكَ لِيَكُونَ صُورَةً، وَكُتِبَ تَنبِيهًا لَنَا نَحنُ الَّذِينَ بَلَغْنا مُنتَهَى الأزمِنَةِ" (١ قورنتس ١٠: ١١). 
فبالأمثلةِ كانَ الشَّعبُ يتعلَّمُ مخافةَ اللهِ والثَّباتَ في طاعتِه. ولهذا كانَتْ له الشَّريعةُ نظامَ حياةٍ ونبُوَّةً تشيرُ إلى الأمورِ المستقبَلة.