Follow by Email

vendredi 26 février 2016

من كتابات القديس إيرناوس الأسقف في الرَّدِّ على الهراطقة (الكتاب 4، 16، 2- 5: SC 100، 564 - 572) عهد الرب



قالَ موسى في سفرِ التَّثنيةِ إلى الشَّعب: "إنَّ الرَّبَّ إلَهَنَا قَد قَطَعَ مَعَنَا عَهدًا فِي حُورِيب، لا مَع آبَائِنَا قَطَعَ ذَلِكَ العَهدَ، بَل مَعَنَا نَحنُ الَّذِينَ هَهُنَا اليَومَ كُلُّنَا أحيَاءٌ" (تثنية ٥: ٢-٣). 
ولماذا لم يَقطَعِ الربُّ عهدًا مع الآباء؟ لأنّ "الشَّرِيعَةَ لَم تُسَنَّ لِلبَارِّ" (١ طيموتاوس ١: ٩). كانَ الآباءُ برَرَةً، وكانَتْ فضيلةُ الوصايا العشرِ مطبوعةً في قلوبِهم ونفوسِهم. فكانوا يحبّون اللهَ الذي خلقَهم، ويمتنعون عن كلِّ أذًى للقريب. ولهذا لم يكُنْ من الضَّروريِّ تنبيهُهم بكلماتٍ تأنيبيّة، لأنّهم كانوا يحملون في نفوسِهم بِرَّ الشّريعة.
ولما زالَ هذا البِرُّ وهذه المحبّةُ لله، وعفَا عليهما النِّسيانُ في مِصر، كانَ من الضَّروريِّ أن يُظهِرَ اللهُ نفسَه، فيُسمِعَ صوتَه بسببِ رأفتِه العظيمةِ بالبشر.
فأخرجَ الشَّعبَ من مصرَ بيدٍ قديرة، ليعودَ الإنسانُ فيكونَ تلميذًا وتابعًا لله. وعاقبَ المستمعين العُصاةَ لكي لا يَزدرُوا مَن خَلَقَهم.
وأشبعَ الشَّعبَ بالمنّ، فكانَ له ما يَكفيه من الطَّعام، كما قالَ موسى في سفرِ التَّثنية: "وَأَطعَمَكَ المَنَّ الَّذِي لمَ تَعرِفْهُ أنتَ، وَلا عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَي يُعلِمَكَ أنْ لا بِالخُبزِ وَحدَهُ يَحيَا الإنسَانَ، بَل بِكُلِّ مَا يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحيَا الإنسَانُ" (تثنية ٨: ٣). 
أمرَ بالمحبَّةِ لله، وأشارَ إلى معاملةِ القريبِ بالعدل، فلا يكونُ الإنسانُ آثِمًا ولا غيرَ مستحقٍّ أمامَ الله. هكذا كانَ الله يهيِّئُ الإنسانَ بالوصايا العشرِ لصداقتِه وللوئامِ مع قريبِه. وكلُّ هذا لمنفعةِ الإنسان، وأمّا الله فلم يكُنْ بحاجةٍ إلى شيءٍ من الإنسان.
كلُّ هذا زادَ الإنسانَ مجدًا، لأنَّ اللهَ منحَه ما كانَ ينقُصُه أي صداقةَ الله. وأمّا الإنسانُ فلم يُضِفْ شيئًا إلى اللهِ، لأنّ اللهَ ليسَ بحاجةٍ حتى إلى محبَّةِ الإنسان.
كانَ في الإنسانِ نَقصٌ، كانَ ينقصُه مجدُ الله، ولم يكُنْ في قدرتِه أن يُدرِكَه بأيِّ صورةٍ من الصُّوَر، إلا بالطَّاعةِ الواجبةِ لله. ولهذا قالَ موسى أيضًا: "اختَرِ الحَيَاةَ لِكَي تَحيَا أنتَ وَنَسلُكَ، مُحِبًّا الرَّبَّ إلَهَكَ، وَسَامِعًا لِصَوتِهِ وَمُتَعَلِّقًا بِهِ، لأنَّ بِهِ حَيَاتَكَ وَطُولَ أيَّامِكَ" (تثنية ٣٠: ١٩-٢٠). 
ولِيُعِدَّ الإنسانَ لهذه الحياة، علَّمَ اللهُ نفسُه الجميعَ كَلِماتِ الوصايا تعليمًا متساويًا. وما زالَتْ باقيةً لدَيْنا على ما هي. ولمّا جاءَ المسيحُ بالجسدِ فَسَّرَها وأضافَ إليها، ولكنّه لم يَقُمْ بإلغائِها.
وأمّا الوصايا الخاصّةُ بالعبوديّةِ القديمةِ، فقد جعلَها على حِدَة، وأمرَ بها الشَّعبَ على يدِ موسى، وجعلَها مناسِبةً لعلمِهم وإدراكِهم، كما قالَ موسى نفسُه: "إنِّي قَد عَلَّمْتُكُم فَرَائِضَ وَأحكَامًا كَمَا عَلَّمَنِي الرَّبُّ إلَهِي" (تثنية ٤: ٥). 
ولهذا ما أعطاهم لزمنِ العبوديّةِ بالرَّمزِ والمثَلِ أزالَه بعهدِ الحرّيّةِ الجديد. وأمّا ما هو في طبيعةِ كلِّ إنسانٍ وملائِمٌ لحرّيّتِه ومشترَكٌ بيَن الجميع، فقد أضافَ إليه ورفعَه، فوهبَ النَّاسَ بسخاءٍ أن يَعرِفوا بالتَّبنِّي اللهَ الآبَ، وأن يُحِبّوه بكلِّ قلوبِهم، وأن يَقبَلُوا كلمتَه مطيعين.