Follow by Email

dimanche 21 février 2016

من مواعظ القديس لاون الكبير البابا (العظة 51، 3-4 و8: PL 54، 310- 311 و313) الشريعة أعطيت عن يد موسى وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح



كشفَ الله عن مجدِه أمامَ شهودٍ مختارِين، فتألَّقَ جسدُه الشَّبيهُ بكلِّ جسد، حتى صارَ وجهُه ساطعًا مثلَ نورِ الشَّمس وثيابُه بيضاءَ مثلَ الثَّلج.
كانَ الهدفُ الرئيسُ من التَّجلّي إزالةَ الشَّكِّ من قلوبِ التَّلاميذِ بسببِ الصَّليب. فبعدَ مشاهدِتهم جلالَ كرامةِ المسيحِ المَخفيّةِ لن يضطربَ إيمانُهم عندما يرَون مذلَّةَ الآلامِ التي سيتحمَّلُها طوعًا.
وبتدبيرٍ إلهيٍّ ليسَ أقلَّ شأنًا كانَ ذلك تثبيتًا لرجاءِ الكنيسة، إذ يَعِي جسدُ المسيحِ كلُّه أيَّ تبدُّلٍ سيُجرَى فيه، فيترجَّى جميعُ أعضاءِ الجسدِ المشارَكةَ في المجدِ الذي تجلّى في الرَّأس.
وفي هذا قالَ الرَّبُّ نفسُه، لمّا تكلَّمَ على مجيئِه في العزَّةِ والجلال: "وَالصِّدِّيقُونَ يَشِعُّونَ حِينَئِذٍ كَالشَّمسِ فِي مَلَكُوتِ أبِيهِم" (متى ١٣: ٤٣). وقد أكَّدَ ذلك الطُّوباويُّ بولس حينَ قال: "أرَى أنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحَاضِرِ لا تُعَادِلُ المَجدَ الَّذِي سَيَتَجَلَّى فِينَا" (روما ٨: ١٨).  وقالَ أيضًا: "لأنَّكُم قَد مُتُّم وَحَيَاتُكُم مُحتَجِبَةٌ مَعَ المَسِيحِ فِي الله. فَإذَا ظَهَرَ المَسِيحُ الَّذِي هُوَ حَيَاتُكُم، تَظهَرُونَ أنتُم أيضًا عِنَدَئِذٍ مَعَهُ" (قولوسي ٣: ٣، ٤). 
وقد بيَّنَ للرُّسلِ في هذه الآيةِ تعليمًا آخرَ، ليثبِّتَهم وليزوِّدَهم بكلِّ معرفةٍ. 
ظهرَ موسى وإيليّا، أي الشَّريعةُ والأنبياء، يكلِّمان الرَّبَّ، فتمَّ حقًّا بحضورِ هؤلاء الرِّجالِ الخمسةِ ما جاءَ في الإنجيل: أن " يُحكَمَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى كَلامِ شَاهِدَيْنِ أو ثَلاثَة" (متى ١٨: ١٦). 
وأيُّ كلامٍ أثبتُ وأقوى من الكلامِ الذي يتَّفقُ فيه العهدُ القديمُ والجديد، والذي فيه تؤيِّدُ العهودُ القديمةُ تعليمَ الإنجيل.
نعم، اتَّفقَتْ أقوالُ العهدِ القديمِ والجديد. فما تمَّ الوعدُ به تحتَ غطاءِ الأسرارِ أظهرَه جليًّا ساطعًا نورُ المجدِ الذي ظهرَ في التَّجلّي، وصحَّ ما قالَه الطُّوباويُّ يوحنا: "الشَّرِيعَةُ أُعطِيَتْ عَن يَدِ مُوسَى، وَأمَّا النِّعمَةُ وَالحَقُّ فَقَد أتَيَا عَن يَدِ يَسُوعَ المَسِيحِ" (يوحنا ١: ١٧). به تمَّتْ وعودٌ تنبّأَ بها الأنبياءُ بالصُّوَرِ والرُّموز، واتَّضحَ معنى تعاليمِ الشَّريعة: فبحضورِه علَّمَ النُّبوَّةَ الحقيقيَّة، وبالنِّعمةِ جعلَ العملَ بالوصايا أمرًا ممكنًا.
فلْيَثبُتْ إذًا إيمانُ الجميعِ بحسبِ تعليمِ الإنجيلِ المقدَّس، ولا يَخجَلْ أحدٌ بصليبِ المسيحِ الذي به فدى العالم.
ولا يَخَفْ أحدٌ أن يتألَّمَ من أجلِ البِرِّ، ولا يشُكَّ في الوعودِ المُقبِلة، لأنَّ المؤمنَ يعبُرُ من التَّعبِ إلى الرَّاحة، ومن الموتِ إلى الحياة. وبما أنّه تحمَّلَ كلَّ ضعفٍ في جسدِنا الوضيع، إذا ثبَتْنا نحن في الاعترافِ به وفي محبَّتِه، انتصَرْنا بنَصرِه وقبِلْنا كلَّ ما وعدَ به.
فحتى نكونَ قادرِين على تتميمِ الوصايا، والصَّبرِ على الآلامِ، يجبُ أن يصدَحَ دومًا في مسامعِنا صوتُ الآبِ القائلِ: "هَذَا هُوَ ابنِي الحَبِيبُ الَّذِي عَنهُ رَضِيْتُ،، فَلَهُ اسمَعُوا" (متى ١٧: ٥).