Follow by Email

dimanche 7 février 2016

من كتاب التفسير للقديسِ أغسطينس الأسقف في الرسالةِ الى أهلِ غلاطية (المقدمة، PL 35: 2105- 2107) فلْنَسعَ لإدراكِ نعمةِ الله


    كتَبَ الرَّسولُ بولسُ رسالتَه إلى أهلِ غلاطية لكي يُفهِمَهم أنّ نعمةَ الله تعملُ فيهم وأنّهم ليسوا بعدُ تحتَ حُكمِ الشَّريعة. هذا هو السَّببُ الذي من أجلِه كتَبَ الرَّسولُ رسالتَه. لأنَّه كانَ بينَهم أناسٌ قَبِلوا نعمةَ الإنجيلِ، ومع ذلك لم ينقطعوا عن الخِتان. ومع أنَّهم كانوا يُسَمَّوْن مسيحيِّين، إلا أنَّهم لم يكونوا يُدرِكُون بعدُ فَعاليَّةَ النِّعمة. وكانوا يريدون البقاءَ تحتَ حكمِ الشَّريعة. وقد فرضَ اللهُ هذه الشَّريعةَ على مَن كانوا عبيدًا للخطيئة، وليسَ على مَن أصبحوا خُدَّامًا مبرَّرِين بالإيمان. أي إنَّه أعطى شريعةَ بِرٍّ لأناسٍ غيرِ أبرار، ليُبَيِّنَ لهم خطاياهم، لا ليُزِيلَها. لأنّ الخطايا لا تُزالُ إلا بنعمةِ الإيمان الذي يَعملُ بالمحبَّة. وكانَ هؤلاء يُريدون أن يُخضِعوا تحتَ حكمِ الشَّريعةِ أهلَ غلاطية الذين أُقِيموا في النِّعمة. فكانوا يقولون إنّ الإنجيلَ لن يُفيدَهم شيئًا إنْ لم يُختَنوا، وإنْ لم يَلتزِموا سائرَ القوانينِ الجسديَّةِ التي تَفرِضُها الدِّيانةُ اليهوديَّة.
    ولهذا أخذَ أهلُ غلاطية يُشَكِّكُون في الرَّسولِ بولس الذي بشَّرَهم بالإنجيل، ويقولون إنَّه يعارِضُ تعاليمَ سائرِ الرُّسُلِ، الذين كانوا يَفرِضون على الوثنيِّين المحافظةَ على الشَّريعةِ اليهوديَّة. وقد تراجعَ الرَّسولُ بطرسُ نفسُه أمامَ الشَّكِّ الذي أثارَه هؤلاء النَّاس، واضطُرَّ  إلى التَّظاهُرِ وكأنَّه يرى هو أيضًا أنَّ الإنجيلَ لا يُفيدُ الوثنيِّين إن لم يُتَمِّمُوا فروضَ الشَّريعة. فوبَّخَه بولسُ الرَّسولُ على هذا التَّظاهُر، كما يقولُ ذلك في رسالتِه هذه. وقد عالجَ بولسُ هذه القضيَّةَ نفسَها في رسالتِه إلى أهلِ روما. ويبدو أنّه حدثَ شيءٌ ما وضعَ حدًّا لهذه القضيّة، وأوقفَ الخصامَ الذي ثارَ بيَن المؤمنين من اليهودِ والمؤمنين من الوثنيِّين.
    في هذه الرِّسالةِ إلى أهلِ غلاطية يوجِّهُ القدّيسُ بولسُ كلامَهُ إلى الذين تضعضعَ إيمانُهم، بسببِ هؤلاء المؤمنين القادمين من اليهوديَّة، والذين كانوا يَفرِضون عليهم حكمَ الشَّريعة. لأنَّ أهلَ غلاطية بدأوا يُصَدِّقونهم، في ادِّعائِهم أنَّ بولسَ لم يُبَشِّرْ بالحقيقة بما أنَّه لم يَفرِضْ عليهم الختان. ولهذا يبدأُ رسالتَه بهذا الكلام:" عَجِبتُ لِسُرعَةِ ارتِدَادِكُم هَذَا مِنَ الَّذِي دَعَاكُم بِنِعمَةِ المَسِيحِ إلى بِشَارَةٍ أخرَى" (غلاطية ١: ٦).
    لقد أَوْجزَ بولسُ في هذه المقدِّمةِ القضيَّةَ كلَّها. ثم قالَ في التَّحيَّةِ التي تَلِيها إنّه "رَسُولٌ لا مِنْ قِبَلِ النَّاسِ ولا بِمَشِيئَةِ إنسَانٍ" (غلاطية ١: ١). وهذا قولٌ لا يقولُه في مكانٍ آخَر، وهو يبيِّنُ بذلك بما فيه الكفاية أنَّ معارِضِيه ليسوا من الله بل من النَّاس. ويجبُ ألا يُعتَبَرَ هو أدنى مِن سائرِ الرُّسلِ من حيثُ سلطتُه وشهادتُه للإنجيل. فهو يَعلَمُ أنَّه مُرسَلٌ لا من قِبَلِ النَّاسِ أو بوِساطةِ أيِّ إنسان، ولكنَّه رسولٌ بمشيئةِ يسوعَ المسيحِ واللهِ الآب.