Follow by Email

mardi 8 mars 2016

من مواعظ القديس لاون الكبير البابا (العظة 10 في الصوم، 3- 5: PL 54، 299- 301) في فضلِ المحبَّة



    قالَ الربُّ في إنجيلِ القدّيسِ يوحنا: "إذَا أحَبَّ بَعضُكُم بَعضًا عَرَفَ النَّاسُ جَمِيعًا أنَّكُم تَلامِيذِي" (يوحنا ١٣: ٣٥). ونقرأُ في رسالةِ يوحنا نفسِه: "أيُّهَا الأحِبَّاءُ، فَلْيُحِبَّ بَعضُنَا بَعضًا لأنَّ المَحَبَّةَ مِن الله. وَكُلُّ مُحِبٍّ مَولُودٌ لله وَعَارِفٌ بِالله. مَن لا يُحِبُّ لمَ يَعرِفِ الله، لأنَّ الله مَحَبَّة" (١ يوحنا ٤: ٧-٨).
    لِيَتنبَّهْ المؤمنون إذًا، ولْيَفحَصُوا فحصًا حقيقيًّا صميمَ مشاعرِهم. وإذا وَجدُوا في ضمائرِهم شيئًا من ثمارِ المحبَّةِ فلا يَشُكُّوا في أنَّ اللهَ مقيمٌ فيهم. وحتى يُصبِحوا أهلا أكثرَ فأكثرَ لإقامةِ هذا الضَّيفِ الكبير، لِيثابِروا أكثرَ فأكثرَ على أعمالِ الرَّحمة.
    إنْ كانَ اللهُ محبَّة، فلا حدودَ للمحبَّة، لأنّه لا حدودَ للأُلوهيَّةِ.
    أيُّها الأحبّاء، كلُّ وقتٍ هو صالحٌ لممارسةِ أعمالِ المحبّة، وبصورةٍ خاصَّةٍ في هذه الأيّامِ. فالذين يَرغَبون في تناولِ فصحِ الربِّ بتقديسِ النَّفسِ والجسدِ، فَلْيَجِدُّوا ويجتهدوا في الحصولِ على هذه الفضيلةِ، لأنَّ فيها خُلاصَةَ جميعِ الفضائِلِ، وهي تَستُرُ جمًّا من الخطايا. 
    ولذلك، ففيما نحتفِلُ بهذا السِّرِّ السَّامي الرَّفيعِ، الذي مَحَا به دَمُ يسوعَ المسيحِ آثامَنا، لِنُعِدَّ أنفسَنا أوَّلًا بقرابينِ الرَّحمة، حتَّى إنَّ ما يُعطِينا إيَّاه صلاحُ اللهِ نُعطيهِ نحن أيضًا للَّذين خَطِئُوا إلينا. 
    يجبُ أن يزدادَ سخاؤُنا تجاهَ الفقراءِ والمعوَّقِين بمختلِفِ العِلَلِ، حتَّى يرتفعَ الشُّكرُ إلى اللهِ من أصواتِ الكثيرين، وحتى نصومَ نحن ونُطعِمَ الجياعَ. لا يُسَرُّ اللهُ بشيءٍ مثلَ سرورِهِ بتكريمِنا للفقراء، فهو يرى في رحمتِنا وعنايتِنا بالفقيرِ صورةَ محبَّتِهِ وصلاحِهِ.
    وإذا تَصَدَّقْنا لا نَخَفْ أن تَنقُصَ أموالُنا، لأنَّ الرَّحمةَ نفسَها هي مالٌ وَفِيرٌ، ولأنَّه، حيث المسيحُ هو الذي يُطعِمُ ويُطعَمُ، لا يمكنُ أن يكونَ العطاءُ سببًا في نقصِ المادَّةِ. فهي يدُ الربِّ نفسُها التي تعملُ في كلِّ عملِ رحمةٍ: هي نفسُها التي تكسِرُ الخبزَ فتَزِيدُه، وتوَزِّعُهُ فتُكَثِّرُهُ.
    فَلْيُعطِ الصَّدقةَ مُعطِيها باطمئنانٍ وفرحٍ. لأنَّه سيَجنِي رِبحًا كبيرًا  إن لم يحتفِظْ لنفسِهِ إلاّ بالشَّيءِ القليلِ، بحسبِ ما قالَ بولسُ الرسول: "إنَّ الَّذِي يَرزُقُ الزَّارِعَ زَرعًا وَخُبزًا يَقُوتُهُ سَيَرزُقُكُم زَرعَكُم وَيُكَثِّرُهُ وَيُنمِي ثِمَارَ بِرِّكُم" (٢ قورنتس ٩: ١٠)، في يسوعَ المسيحِ ربِّنا الذي يحيا ويملِكُ مع الآبِ والرُّوحِ القدسِ، إلى دهرِ الدُّهورِ. آمين.