Follow by Email

mercredi 9 mars 2016

من رسائل القديس مكسيموس رئيس الرهبان والمعترف (الرسالة 11: PG 91، 454- 455) رحمة الله على التائبين



    جميعُ الكارزِين بالحقيقةِ وخُدَّامِ النِّعمةِ الإلهيَّةِ، جميعُهم، منذ البدايةِ وحتّى أيّامِنا هذه، أكَّدُوا لنا إرادةَ اللهِ الخلاصيّة، وأنَّ لا شيءَ أعَزُّ وأحَبُّ إلى اللهِ من الذين يرتدُّون إليه بتوبةٍ صادقة.
    وحتَى يُظهِرَ لنا صلاحَه الإلهيَّ العظيمَ، انحدَرَ كلمةُ اللهِ الآبِ (وهذا أوَّلُ دليلٍ على صلاحِه اللامتناهيِّ بل الدَّليلُ الوحيدُ)، انحدَرَ فحَنَا على طبيعتِنا بطريقةٍ لا يمكنُ التَّعبيُر عنها بالكلماتِ، وتنازلَ فاتَّخذَ جسدَنا. وبه عَمِلَ وبه تألَّمَ وبه تكلَّمَ بكلِّ ما كانَ حسنًا ونافعًا لنا. ومع أنَّنا كُنَّا أعداءً وخصومًا صالَحَنا مع اللهِ الآبِ. وأعادَ إلينا الحياةَ السَّعيدةَ بعدَ أن كنَّا غرباءَ بعيدِينَ عنها. 
    لم يَشفِ فقط أمراضَنا بقوَّةِ العجائبِ، بل أخذَ على نفسِه ضَعفَ أهوائِنا. هو الذي لم تُوجَدْ فيه خطيئةٌ، بدَا وَكأنَّه هو المستحِقُّ للموتِ، فحرَّرَنا بآلامِه وموتِه من الدَّيْنِ الذي كانَ علينا، وحَلَّنا من آثامٍ كثيرةٍ رهيبةٍ. وحثَّنا بالتعاليمِ الكثيرةِ على أن نكونَ شبيهِين به بأفضلِ ما في طبيعتِنا، وبمحبَّةِ القريبِ الكاملةِ.
    ولهذا هتَفَ قائلا: "مَا جِئْتُ لأدعُوَ الأبرَارَ بَل الخَاطِئِينَ إلَى التَّوبَةِ" (لوقا ٥: ٣٢). وقالَ أيضًا: "لَيسَ الأصِحَّاءُ بِمُحتَاجِينَ إلَى طَبِيبٍ، بَل المَرضَى" (لوقا ٥: ٣١). وقالَ إنَّه جاءَ ليبحَثَ عن الخروفِ الضّالِّ، وإنَّه أُرسِلَ إلى الخرافِ الضّالَّةِ من آلِ إسرائيل. وبمَثلِ الدِّرهَمِ بيَّنَ، ولو بشيءٍ من الإبهامِ، عن إعادةِ صورةِ الإنسانِ إلى نقاوتِها الأولى، بعدَ أن علاها الصدأُ وعَفَنُ الرَّذائلِ المُنتِنةِ. وقال: "هَكَذَا يَكُونُ الفَرَحُ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لوقا ١٥: ٧).
    وإلى ذلك، مَثَلُ الذي وقَعَ في أيدي اللصوص، فعَرَّوْهُ من ثيابِه، وترَكُوه مُثخَنًا بالجراحِ بينَ حيٍّ ومَيِّتٍ. فقد عالجَه بالخمرِ والزَّيت. وأركبَهُ على فَرَسِه، وحمَلَهُ إلى الفندقِ ليُعتَنَى به. وأعطى ما يَلزَمُ لعلاجِه، ووعَدَ بأن يَدفَعَ عنه عندَ عودتِه كلَّ ما يَزِيدُ.
    وكذلك مَثَلُ الابنِ الشاطرِ. حَنَا عليه أبوه، وهو أفضلُ الآباءِ، وعانقَهُ لأنّه عادَ إليه تائبًا، وزيَّنَه بحُلَّةِ المجدِ الوالديِّ، ولم يُؤَنِّبْهُ على كلِّ ما اقترفَ في الماضي من آثام. 
    وهكذا أيضًا، أرجعَ الخروفَ الضّالَّ الذي ابتعدَ عن المئةِ في الحظيرةِ الإلهيَّةِ. فلمَّا وجدَه ضالًّا بينَ الجبالِ والتِّلال، قادَه إلى الحظيرةِ من غيرِ شدَّةٍ ولا تهديد، بل حَمَلَه على منكِبَيْهِ وأعادَه بحنانٍ سالمًا إلى باقي القطيعِ. 
    وكذلك هتفَ قائلا: "تعَالَوْا إليَّ جميعًا، أيُّها المُرهَقُون والمُثقَلُون، وأنا أُرِيحُكم" (ر. متى ١١: ٢٨). وأيضًا: "احمِلُوا نِيرِي عَلَيكُم" (متى ١١: ٢٩).  وقد عَنَى بلفطة "النِّيرِ" الوصايا والمشوراتِ الإنجيليَّة. ولأنَّ هذا النِّيرَ قد يَبدُو بأعمالِ التَّوبةِ ثقيلًا وشديدًا، قال: "إنَّ نِيرِي لَيِّنٌ وَحِملِي خَفِيفٌ" (متى ١١: ٣٠).
    ولمَّا علَّمَ البِرَّ والصَّلاحَ الإلهيَّ أمرَ قائلا: "كونوا قدِّيِسين ، وكونوا كامِلِين، وكونوا رُحَماءَ، مِثلَ أبيكم السَّماوِيِّ" (ر. لوقا ٦: ٣٧). وأيضًا: "اغفِرُوا يُغفَرْ لكم" (لوقا ٦: ٣٧). وأيضًا: "ما أرَدْتُم أن يَعمَلَهُ النَّاسُ لَكُم فَاعمَلُوهُ أنتُم أيضًا لَهُم" (متى ٧: ١٢).