Follow by Email

samedi 5 mars 2016

من خطب القديس غريغوريوس النازيانزي الأسقف (الخطبة 14، في محبة الفقراء، 38، 40: PG 35، 907 و910) لنخدم المسيح في الفقراء



قالَ الكتابُ: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ فَإنَّهُم يُرحَمُون" (متى ٥: ٧). وليسَتِ الرَّحمةُ آخِرَ التَّطويبات. وقالَ أيضًا: "طوبى للإنسانِ الرَّحيمِ، الذي يَرأَفُ ويُقرِضُ" (ر. مزمور ٤٠: ٢). وفي مكانٍ آخَرَ: "طَوَالَ النَّهَارِ يَرأَفُ وَيُقرِضُ" (مزمور ٣٦: ٢٦). لِنَنتَزِعِ البركةَ، وَلْنَكُنْ عُقَلاءَ، وَلْنَكُنْ رُحمَاءَ.
لا تنقطِعْ بسببِ الليلِ عن أعمالِ الرَّحمةِ. ولا تَقُلْ: سأعودُ وغدًا أُعطِيك. لا تُقِمْ أيَّ حاجزٍ بيَن قَصدِكَ وبينَ عمَلِ البِرِّ. عمَلُ البِرِّ وحدَهُ لا يَقبَلُ التَّأجيلَ.
"اكسِرْ خبزَكَ للجائعِ، وأَدخِلِ البائسِين المطرودِين بيتَكَ" (ر. أشعيا ٥٨: ٧)، واعمَلْ ذلك بنفسٍ راضيَةٍ متهلِّلَةٍ. يقولُ لكَ الرَّسولُ: "مَن رَحِمَ فَلْيَرحَمْ وهو فَرِحٌ" (ر. روما ١٢: ٨). فالسُّرعةُ والعنايةُ يضاعفان نعمةَ الإحسانِ. لأنّ ما تفعلُه بنفسٍ حزينةٍ مُرغَمَةٍ لا فَضلَ له ولا قبولَ.
عندما نَعمَلُ الخيرَ يجبُ أن نفرحَ لا أن نَنُوحَ. إذا ابتعَدْتَ عن قيودِ المسكنةِ والمحاباةِ أعني عن البُخلِ والتَّفرقةِ، وعن التَّردُّدِ والتَّبرُّمِ، ماذا يحصَلُ؟ إذّاك يكونُ عملُكَ عظيمًا ومجيدًا. وتكونُ المكافأةُ أيضًا أعظمَ. "حينئذٍ يبزُغُ كالفجرِ نورُك، وعافيتُك تُشرِقُ أمامَك" (ر. أشعيا ٥٨: ٨). ومَن لا يطلُبُ النُّورَ والعافية؟
ولهذا، يا إخوتي، ويا خدَّامَ المسيحِ، والوارثُون معه، إذا أرَدْتُم أن تُصغُوا لكلامي: ما دامَ الوقتُ معَنا والأمرُ مُتاحًا، فَلْنَـزُرِ المسيح، لِنَعتنِ بالمسيح، لِنُطعِمِ المسيح، لَنُلبِسِ المسيح، لِنُقدِّمْ المأوى للمسيح، لِنُكَرِّمِ المَسيح، لا على مائدتِنا فقط، كما فعَلَ البعضُ، ولا بالعِطرِ فقط، مِثلَ مريم، ولا بدَفنِهِ فقط، مثلَ يوسُفَ الرّامي، ولا بكلِّ ما يَلزَمُ لدَفنِهِ، كما فعلَ ذلكَ نيقوديمس الذي أحبَّ المَسيحَ ولو جُزئِيًّا، وأخيراً لا بالذَّهَبِ والبَخُورِ والمُرِّ مِثلَ المَجُوسِ الذين سبَقُوا كلَّ الذين ذَكَرْناهم. ولكنْ بما أنَّ ربَّ الكلِّ يُريدُ الرَّحمةَ لا الذَّبيحةَ، ولأنَّ الرَّحمةَ تفوقُ ألُوفَ الحِملانِ المسمَّنةِ، فَلْنُقدِّمْ له أعمالَ رحمتِنا للفقراءِ والمحرومين ومَن هم اليومَ على الحضيضِ، حتّى إذا ما خرَجْنَا من هذه الحياةِ قَبِلُونا في المساكنِ الأبديَّةِ، معَ المسيحِ نفسِه ربِّنا، له الإكرامُ والمجدُ، إلى الأبدِ. آمين.