Follow by Email

vendredi 18 mars 2016

من كتابات القديس فولجنسيوس الإفريقي الأسقف في الإيمان ببطرس (فصل 22، 62:CCL 91/أ ، 726 و750- 751) قدم نفسه ذبيحة عنا


    إنَّ الذَّبائحَ الجسديَّةَ التي أمرَ آباءَنا بتقديمِها، اللهُ الإلَهُ الثالوثُ القدُّوسُ، الإلهُ الواحدُ، إلهُ العهدِ الجديدِ والقديِم، كانَتْ صورةً للذَّبيحةِ المَرْضِيَّةِ التي كانَ سيُقدِّمُها عنَّا راحِمًا ابنُ اللهِ الوحيدُ نفسُهُ بحسبِ الجسدِ. 
    فبحسَبِ تعليمِ الرُّسلِ، "جَادَ بِنَفسِهِ لأجلِنَا قُربَانًا وَذَبِيحَةً للهِ طَيِّبَةَ الرَّائِحَةِ" (أفسس ٥: ٢). هو الإلهُ الحقيقيُّ والحبرُ الحقيقيُّ الذي دخلَ الأقداسَ مرَّةً عنَّا، لا بدَمِ الثِّيرانِ والتُّيوسِ بل بدَمِ نفسِهِ. وهذا ما كانَ يرمُزُ إليه عظيمُ الكهنةِ لمَّا كانَ يدخُلُ قدسَ الأقداسِ مرَّةً في السَّنةِ ليُقرِّبَ دَمَ الذَّبائِحِ.
    هذا هو الذي قدَّمَ في ذاتِه وحدَها كلَّ ما عَلِمَ أنَّه ضرورِيٌّ لتحقيقِ خلاصِنا: فكانَ هو نفسُهُ الكاهنَ والذَّبيحةَ، وكانَ هو نفسُهُ اللهَ والهيكلَ. هو الكاهنُ الذي صالَحَنا، والذَّبيحةُ التي بها تَمَّتِ المصالحةُ. وهو الهيكلُ حيث تَمَّتِ المصالحةُ. وهو اللهُ الذي تصالَحْنَا معه. من حيثُ إنَّه إنسانٌ، كانَ وحدَه الكاهِنَ والذَّبيحةَ والهيكلَ، لأنَّ اللهَ تمَّمَ ذلك كلَّهُ في صورةِ الإنسان. وأمَّا من حيث هو إلَهُ، فلم يَكُنْ وحدَه، بل هو معَ الآبِ والرُّوحِ القدُسِ.
    آمِنْ إذًا إيمانًا ثابتًا ولا تتردَّدْ البتَّة: اللهُ الكلمةُ الابنُ الوحيدُ صارَ جسدًا، وقدَّمَ نفسَهُ عنَّا ذبيحةً وقربانًا للهِ طيِّبَ الرَّائحةِ. وله معَ الآبِ والرُّوحِ القُدُسِ كانَتْ تُقَرَّبُ الذَّبائحُ الحيوانِيَّةُ على يدِ الآباءِ والأنبيَاءِ والكهنةِ في زمنِ العهدِ القديمِ. والآنَ في العهدِ الجديدِ، لا تَكُفُّ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ في جميعِ أقطارِ الأرضِ عن أن تُقَدِّمَ له معَ الآبِ والرُّوحِ القدُسِ، وهو معَهما إلَهٌ واحِدٌ، ذبيحةَ الخبزِ والخمرِ بالإيمانِ والمحبَّة.
    كانَتْ تلكَ الذَّبائحُ الحيوانيَّةُ صورةً لجسدِ المسيحِ الذي كانَ سيقدِّمُهُ هو نفسُه من أجل خطايانا، - ومن غيرِ خطيئةٍ اقترَفَها هو. وكانَتْ صورةً لدَمِهِ الذي كانَ سيُرِيقُه كفَّارةً عن خطايانا. هذه الذَّبيحةُ نفسُها هي ذبيحةُ شكرٍ وذِكرَى لجسدِ المَسيحِ الذي قرَّبَه من أجلِنا ولدَمِهِ الذي أراقَهُ من أجلِنا. وفي ذلك قالَ القدِّيسُ بولس في أعمالِ الرُّسُل: "تَنَبَّهُوا لأنفُسِكُم وَلِجَمِيعِ القَطِيعِ، الَّذِي جَعَلَكُم الرُّوحُ القُدُسُ حُرَّاسًا لَهُ، لِتَسهَرُوا عَلَى كَنِيسَةِ الله الَّتِي اكتَسَبَهَا بِدَمِهِ" (أعمال ٢٠: ٢٨).
    كانَتْ تلك الذَّبائحُ صورةً لِمَا كانَ سيُعطَى لنا. وأمَّا هذه الذَّبيحةُ فإظهارٌ جَلِيٌّ لِمَا قد أُعطِيَ لنا.
    كانَتْ تلك الذَّبائحُ رمزًا لابنِ اللهِ الذي كانَ سيُمَاتُ من أجلِ الخطأةِ. وأمَّا هذه الذَّبيحةُ فتُبَشِّرُ بأنَّه ماتَ من أجلِ الخطأةِ، بحسَبِ ما شَهِدَ الرَّسولُ فقالَ: "لمّا كُنَّا ضِعافًا ماتَ المسيحُ في الزَّمنِ من أجلِ الخطأة، ولمّا كُنّا أعداءَهُ تصالَحْنا مع الله بموتِ ابنِه" (ر. روما ٥: ١٠).