Follow by Email

jeudi 3 mars 2016

من كتاب ترتوليانس الكاهن في الصلاة (فصل 28- 29: CCL 1، 273- 274) القربان الروحي



الصَّلاةُ هي القربانُ الرُّوحيُّ الذي حَلَّ محلَّ الذَّبائحِ القديمةِ. "مَا فَائِدَتِي مِن كَثرَةِ ذَبَائِحِكُم، يَقُولُ الرَّبُّ. قَد شَبِعْتُ مِن مُحرَقَاتِ الكِبَاشِ وَشَحمِ المُسَمَّنَاتِ، وَأصبَحَ دَمُ الحِملانِ وَالثِّيرَانِ وَالتُّيُوسِ لا يُرضِينِي. مَن الَّذِي التَمَسَ هَذِهِ مِن أيدِيكُم؟" (أشعيا ١: ١١).
وأمّا ما يَلتمِسُهُ اللهُ فالإنجيلُ المقدَّسُ يُبيِّنُه لنا، حيث يقول: "وَلَكِن تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا العِبَادُ الصَّادِقُونَ يَعبُدُونَ الآبَ بِالرُّوحِ وَالحَقِّ. إنَّ اللهَ رُوحٌ" (يوحنا ٤: ٢٣-٢٤). فهو يطلُبُ عِبَادًا له يعملون بحسبِ الرُّوح.
نحن العِبَادُ الحقيقيّون والكهنةُ الحقيقيّون الذين نصلِّي بالرُّوحِ ونُقدِّمُ صلاتَنا ذبيحةً روحيّةً، قربانًا للهِ خاصًّا ومَرْضِيًّا، أي قربانًا التمَسَهُ هو وهيَّأَهُ.
هذه هي الذَّبيحةُ التي نقرِّبُها بقلبٍ خاشعٍ، مُفعَمَةً بالإيمانِ، مؤَيَّدةً بالحقِّ، تامَّةً بارَّةً، طاهرةً عفيفةً، مُكَمَّلةً بالوليمةِ الأخويَّةِ، تواكِبُها الأعمالُ الحسنةُ والمزاميرُ والأناشيدُ، نقدِّمُها على المذبحِ أمامَ اللهِ، فتنالُ لنا من اللهِ كلَّ ما نَبتغِي. 
كيف لا يَرضَى اللهُ بالصَّلاةِ الصَّادرةِ عن الرُّوحِ والحقِّ كما طلبَها هو؟ إنَّنا نقرَأُ ونَسمَعُ ونؤمِنُ: وفي هذا كلِّه نجدُ برَاهِينَ كثيرةً على فعاليّةِ الصَّلاة.
كانَتِ الصَّلاةُ القديمةُ تُنَجِّي من النَّارِ ومن الوحوشِ والمجاعةِ، مع أنَّها لم تتَّخِذْ صورتَها من يسوعَ المسيح. 
فكم يجبُ أن يكونَ فعلُ الصَّلاةِ المسيحيّةِ أكبرَ وأعظمَ. لن تَدعُوَ هذه الصَّلاةُ ملاكَ النَّدَى ليقفَ في وَسَطِ النارِ، ولن تَسُدَّ أفواهَ الأسُودِ، ولن تحمِلَ طعامَ الفلّاحِ إلى الجائعين، ولن تُزِيلَ بنعمةٍ خاصَّةٍ الشُّعورَ بالألم، ولكنَّها تُعَلِّمُ الصَّابرين والمَوجوعِينَ والمتأوِّهِينَ، وبالفضيلةِ تُنَمِّي النِّعمةَ، فيتعلَّمُ المؤمنُ ماذا ينالُ من الله، حِينَ يَفهَمُ ماذا يَتحَمَّلُ في سبيلِ الله. 
بل وفي القديمِ كانَتِ الصَّلاةُ تطلُبُ الضَّرَباتِ، وَإبادةَ جيوشِ الأعداءِ، ومنعَ فوائدِ الأمطار. وأمّا الآنَ فإنَّ الصلاةَ البارَّةَ تُبعِدُ كلَّ غضَبِ الله، وتهتَمُّ للعدُوِّ، وتسأَلُ من أجلِ المضطَهِدِين. من قَدِرَ أن يَستنـزِلَ النَّارَ، ألا يعرفُ أن يَستنـزِلَ أيضًا المياهَ الغزيرةَ من السَّماءِ؟ الصَّلاةُ وحدَها تنتصرُ على قلبِ الله. ولم يُرِدِ المسيحُ أن تكونَ مَدعاةً لأيِّ سُوءٍ، بل جعلَ لها قُوّةً لكلِّ عملٍ صالحٍ.
ولهذا لم تَطلُبْ سوى استرجاعِ نفوسِ الموتى من طريقِ الموتِ نفسِه، وتقويةِ الضُّعفاءِ، وشفاءِ المرضى، وتحريرِ مَن اعتراهم الشَّيطانُ، وفتحِ أبوابِ السُّجونِ، وحلِّ قيودِ الأبرار. فهي تَغسِلُ الآثامَ، وتُبعِدُ التَّجاربَ، وتُطفِئُ الاضطهاداتِ، وتُقوِّي الضُّعفاءَ، وتَسنُدُ كبارَ النُّفوسِ، وتَهدِي الغُرَباءَ، وتُهدِّئُ الأمواجَ، وتُلَيِّنُ اللصوصَ، وتُعِيلُ الفقراءَ، وتُلهِمُ الأغنياءَ، وتُقِيلُ مَن عثَرَ عثرتَهَ، وتُمسِكُ بمَن أوشكَ على السُّقوطِ، وتُثَبِّتُ الواقفِين.
الملائكةُ أيضًا يُصَلُّون. تُصَلِّي الخليقةُ كلُّها، تُصَلِّي الحيواناتُ الدَّاجنةُ والبَرِّيّةُ، فتَثنِي الرُّكَبَ عندما تخرُجُ من الإسطبلاتِ أو الوُكورِ، وتنظُرُ إلى السَّماءِ لا بعينٍ غافلةٍ، بل ترجُو الرُّوحَ على طريقتِها. والطُّيورُ أيضًا إذا استيقظَتْ وارتفعَتْ إلى السَّماءِ ونشرَتْ صليبَ جناحَيْها تقولُ شيئًا وكأنَّه صلاة.
ماذا نقولُ أكثرَ من هذا عن مهمَّةِ الصَّلاة؟ فإنَّ الربَّ نفسَهُ صلَّى، له الكرامةُ والقدرةُ إلى أبدِ الدهور.