Follow by Email

dimanche 6 mars 2016

من كتابات القديس أغسطينس الأسقف في إنجيل القديس يوحنا (كتاب 34، 8- 9: CCL 36، 315- 316) المسيح هو الطريق إلى النور والحقيقة والحياة


قالَ الربُّ بإيجازٍ: "أنَا نُورُ العَالَمِ، مَن يَتبَعْنِي لا يَمشِ فِي الظَّلامِ، بَل يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ" (يوحنا ٨: ١٢). في هذا الكلامِ أمَرَ بشيءٍ ووعَدَ بآخَرَ. فَلْنَعمَلْ بما أمَرَ، لئلاّ تكونَ رغبتُنا في ما وعدَ به في غيرِ مكانِها وعلى غيرِ استحقاقٍ منَّا. وحتَّى لا يقولَ لنا يومَ الدِّينِ: أعَمِلْتَ بما أمَرْتُ حتّى تطلبَ ما وعَدْتُ به؟ وبماذا أمَرْتَنا أيُّها الربُّ إلهَنا؟ قالَ لك: اتبَعْنِي. أنتَ طلَبْتَ مَشُورةً في الحياة. وفي أيّةِ حياةٍ إلا تلك التي قِيل فيها: "عِندَكَ يَنبُوعُ الحَيَاةِ" (مزمور ٣٥: ١٠)؟

 إذًا لِنَعمَلِ الآن. لِنَتبَعِ الربَّ. لِنَحُلَّ القيودَ التي تمنعُنا من اتِّباعِه. ومَن هو القادرُ على حلِّ مثلِ هذه القيودِ ما لم يُساعِدْنا هو الذي له يقولُ صاحبُ المزامير: "لَقَد حَلَلْتَ قُيُودِي" (مزمور ١١٥: ١٦). ويقولُ مزمورٌ آخرُ فيه: "الرَّبُّ يَحُلُّ قُيُودَ الأسرَى. الرَّبُّ يُنهِضُ الرَّازِحِينَ" (مزمور ١٤٥: ٧، ٨).

 وماذا يتبعُون، المحرِّرُون والمُصلِحون، إلا النُّورَ الذي سمعوه يقولُ: "أنَا نُورُ العَالَمِ، مَن يَتبَعْنِي لا يَمشِ فِي الظَّلامِ" (يوحنا ٨: ١٢)؟ فإنَّ الربَّ يُضِيءُ للعميان. وعيونُنا مستنيرةٌ الآنَ، أيّها الإخوةُ، بكُحلِ الإيمان. لمّا أبرأَ الأعمى منذ مولدِه سبَقَ أوّلًا وتَفَلَ، ومزَجَ التُّفالَ بالتُّرابِ، ثم مَسَحَ عَينَيْ الأعمى. ونحن وُلِدْنا من آدمَ عميانًا. فنحنُ بحاجةٍ إليه لِيَمنحَنا النُّورَ. تفَلَ ومزَجَ التُّفالَ بالتُّرابِ: كذلك صارَ المَزجُ العجيبُ لمّا صارَ "الكَلِمَةُ بَشَرًا وَسَكَنَ بَينَنَا" (يوحنا ١: ١٤). مزَجَ التُّفالَ بترابِ الأرضِ. ولهذا قِيلَ أيضًا: "مِن الأرضِ نَبَتَ الحَقُّ" (مزمور ٨٤: ١٢). وهو نفسُه قال: "أنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ" (يوحنا ١٤: ٦).

 سيكونُ فرحُنا بالحقِّ كاملًا عندما نراه وجهًا لوجه، وقد وُعِدْنا بهذا. ومَن كانَ يجرؤُ أن يترجَّى أمرًا لو لم يتنازلْ اللهُ أن يَعِدَ به أو أن يُعطِيَهُ؟

 سنراه وجهًا لوجه. قالَ الرسول: "نَحنُ اليَومَ نَرَى فِي مِرآةٍ رُؤيَةً مُلتَبِسَةً، وَأمَّا فِي ذَلِكَ اليَومِ فَتَكُونُ رُؤيَتُنَا وَجهًا لِوَجهٍ" (١ قورنتس ١٣: ١٢). وقال يوحنا الرَّسول في رسالته: "أيُّهَا الأحِبَّاءُ، نَحنُ مُنذُ الآنَ أبنَاءُ الله. وَمَا أُظهِرَ بَعدُ مَا سَنَصِيرُ إلَيهِ. نَحنُ نَعلَمُ أنَّنَا نُصبِحُ عِندَ ظُهُورِهِ أشبَاهَهُ، لأنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (١ يوحنا ٣: ٢). هذا هو الوعدُ الكبير.

 إنْ أحبَبْتَه، فَاتبَعْه. تقولُ: أُحِبُّ، ولكنْ أين أسيرُ؟ قالَ لكَ الرَّبُّ إلهُكَ: أنا الحقُّ والحياةُ. لو كنْتَ راغبًا في الحياة، وطلَبْتَ الحقيقة، لطلَبْتَ فورًا الطَّريقَ التي تَقدِرُ بها أن تَصِلَ إلى الحياةِ، ولَقُلْتَ لنفسِكَ: الحقُّ هو شأنٌ خطير، والحياةُ كذلك هي شأنٌ خطير. ولكن من أين لي أن أجِدَ الطَّريقَ التي تُوصِلُني إليها.

 أتَبحَثُ فعلًا عن طريقِ؟ اسَمْعه إذًا يقولُ: أنا الطَّريق. قبلَ أن يقولَ لكَ إلى أين، بيَّنَ لك كيف تسير. قالَ: أنا الطَّريقُ. والطَّريقُ إلى أين؟ قال: "أنا الحقُّ والحياة". قالَ أوّلًا كيف تَصِلُ. ثم قالَ إلى أين تَصِلُ. قال: أنا الطَّريقُ وأنا الحقُّ وأنا الحياة. هو الحقُّ والحياةُ، لأنّه باقٍ لدى الآب. وصارَ هو الطَّريقَ لمّا صار إنسانًا.

 لا يقالُ لك: اجتهِدْ حتى تجِدَ الطَّريقَ لتَصِلَ إلى الحقِّ والحياة. لا يقالُ لكَ هذا. أيُّها الكسولُ، تنبَّهْ وقُمْ. الطَّريقُ نفسُه يأتي إليك، ويُوقِظُكَ من نومِكَ، هذا إن أيقظَكَ. قُمْ وامشِ.

 لعلَّكَ تحاولُ أن تمشِيَ فلا تَقدِرُ، لأنَّ قدَمَيْكَ تُؤلمانِكَ. ومِمَّ تُؤلِمانك. ألعلَّكَ جرَيْتَ وركَضْتَ في الطُّرُقِ الوَعْرةِ بدافعٍ من الطَّمعِ؟ ولكنِ اعلَمْ أنَّ كلمةَ اللهِ شفَى العُرجَ. وقد تقولُ، قدَمايَ سالمتان ولكنِّي لا أرى الطَّريقَ. اعلَمْ أيضًا أنَّه أعادَ البصرَ للعميان.