Follow by Email

mercredi 30 mars 2016

من عظة فصحيّة لكاتب قديم (العظة 35، 6- 9: PL 17 (طبعة 1879)، 696- 697) المسيح مبدع القيامة والحياة



      لمّا تكلّمَ القدّيسُ بولسُ الرَّسولُ على سعادةِ الخلاصِ المستعادِ هتفَ قائلا: "كَما أنّ الموتَ دخلَ في العالمِ عن يدِ آدمَ، كذلك أُعِيدَ الخلاصُ إلى العالمِ بالمسيح" (ر. روما ٥: ١٢)، وأيضًا: "الإنسانُ الأوّلُ من التُّرابِ فهو أرضِيٌّ، والإنسانُ الآخَرُ من السَّماءِ فهو سماويٌّ" (ر. ١ قورنتس ١٥: ٤٧).

      وقالَ أيضًا: "كَمَا حَمَلْنَا صُورَةَ الأرضِيِّ" أي الإنسانِ القديمِ في الخطيئة، "فَكَذَلِكَ لِنَحمِلْ صُورَةَ السَّمَاوِيِّ" (ر. ١ قورنتس ١٥: ٤٩)، أي لنحافِظْ على الخلاصِ الذي قدّمَه لنا يسوعُ المسيح، لنحافِظْ على خلاصِ الإنسانِ الذي اتّخذَه المسيحُ ففداه وأصلحَه وطهَّرَه. فقد قالَ الرَّسولُ نفسُه إنّ المسيحَ هو البدء، أي هو مُبدِعُ القيامةِ والحياة. ومن ثمَّ الذين هم للمسيح، أي هؤلاء الذين يحيَوْن بمِثلِ طهارتِه، ينالون رجاءَ قيامتِه، وسيبلغون معه مجدَ السَّماءِ الموعود، كما قالَ الربُّ نفسُه في الإنجيل: "مَن تَبِعَني لا يَهلِكُ، بل ينتقلُ من الموتِ إلى الحياة" (ر. يوحنا ٥: ٢٤).

      وهكذا فإنَّ آلامَ المخلِّصِ هي خلاصُ الحياةِ البشريّة. لهذا أرادَ أن يموتَ من أجلِنا، حتى إذا ما آمنّا به حَيِينا إلى الأبد. أرادَ أن يكونَ مثلَنا لفترةٍ من الزَّمن، حتى إذا ما نِلْنا مواعيدَ الأبديّةِ حَيِينا معه إلى الأبد.

      أقولُ، هذه هي نعمةُ الأسرارِ السَّماويَّةِ، هذه هي هبةُ الفصح، هذا هو العيدُ الذي نتمنّاه. هذه هي مبادئُ الأمورِ التي تَنجُمُ عنها الحياة.

      هنا، تَلِدُ الكنيسةُ المقدَّسةُ، مِن حَشَا جُرنِ المعموديَّة، المؤمنين ولادةً جديدة، فيُولَدون ثانيةً في بساطةِ الصِّغار، ويُسمِعون بأصواتِهم البريئةِ طهارةَ ضمائرِهم. هنا الآباءُ والأمّهاتُ يَلِدون بالإيمانِ وفي العفّةِ نسلًا لا يُحصَى.

      هنا يسطعُ بهاءُ الشُّموع، تحتَ شجرةِ الإيمان، في حَشا الجرنِ الطَّاهر. هنا يتقدَّسُ المؤمنون بنعمةِ السَّماء، ويتغذَّوْن بسرِّ أسرارِ الحياةِ الرُّوحيّة.

      هنا تنبُتُ من حَشَا الكنيسةِ المقدّسةِ الأخُوَّةُ بينَ الشُّعوب، إذ تسجدُ لجوهرِ اللاهوتِ الواحدِ ولاسمِ الثَّالوثِ القدّوسِ وقدرتِه المتعالية، وتُنشِدُ مع النبيِّ مزمورَ العيدِ السنويِّ هاتفةً: "هَذَا هُوَ اليَومُ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّبُّ، فَلْنَبتَهِجْ وَنَفرَحْ فِيهِ" (مزمور ١١٧: ٢٤).

      ماذا أقول، وعن أيِّ نهارٍ أتكلَّمُ؟ إنّ واهبَ بدءِ الحياة، ومبدعَ النُّورِ ومنشئَ النَّهار، أي الربُّ يسوعُ المسيحُ نفسُه، هو قالَ عن نفسِه: "أنا النُّور؛ من سارَ في النَّهارِ لا يَعثُرُ" (ر. يوحنا ٨: ١٢)، أي من تبِعَ المسيحَ في كلِّ شيءٍ، فإنّه يَصِلُ في أثَرِه إلى عتبةِ النُّورِ الأبديّ، كما سألَ الآبَ من أجلِنا لمّا كانَ بعدُ في الجسدِ قائلا: "يَا أبَتِ، إنّ الّذِينَ يُؤمِنُونَ بِي أرِيدُ أن يَكُونُوا مَعِي حَيثُ أنَا أكُونُ، فَكَمَا أنتَ فِيَّ وَأنَا فِيكَ، فَلْيَكُونُوا هُم أيضًا فِينَا" (ر. يوحنا ١٧: ٢٠).