Follow by Email

vendredi 11 mars 2016

من الرَّسائل الفصحيّة للقدّيس أثناسيوس الأسقف (الرسالة 5، 1- 2:PG 26، 1379- 1380) السِّرُّ الفصحيّ يجعل البعيدين بالجسد قريبين بوحدة الإيمان



    من الجميلِ، أيُّها الإخوة، أن ننتقلَ من عيدٍ إلى آخَرَ، ومن صلاةٍ إلى أُخرى، ومن احتفالٍ إلى آخَرَ. نحن الآنَ في الزَّمنِ الذي يَحمِلُ إلينا بدايةً جديدةً أي بُشرَى الفِصحِ السَّعيدةِ، الذي قدَّمَ فيه المسيحُ نفسَه ذبيحةً. فيه نَجِدُ غِذاءَنا، فهو غذاءٌ لحياتنا. وبدَمِهِ الثَّمينِ نقَوِّي نفسَنا، وكأنَّنا نشرَبُ من ينبوع. ومع ذلك، فنحن نعطَشُ إليهِ دائمًا ويضطرِمُ شوقُنا إليه دائمًا. وهو دائمًا حاضِرٌ قريبٌ من كلِّ عطشان. وقد نبَّهَ مخلِّصُنا نفسُه، في جزيلِ رأفتِهِ، في يومِ العيدِ، جميعَ النُّفوسِ العَطشَى، قال: "إنْ عَطِشَ أحَدٌ فَلْيُقبِلْ إلَيَّ" (يوحنا ٧: ٣٧).
    لا يُروِي العطشانُ عطَشَهُ فقط باقترابِه من الينبوعِ، بل كلَّما سألَ أن يقتربَ من المخلِّصِ مَنَحَهُ المخلِّصُ ذلك. ولا تُحصَرُ نعمةُ العيدِ في زمنٍ واحدٍ فقط، ولا يَغرُبُ شعاعُهُ السَّاطعُ مع الغُروبِ، وإنّما إشعاعُه دائمٌ لكلِّ من يريد. وهو مصدرُ قوَّةٍ مستمِرَّةٍ لكلِّ ذِهنٍ مستنيرٍ، ولكلِّ الذين يواظِبُون ليلَ نهارَ على قراءةِ الكتُبِ المقدَّسةِ، والذين يُشبِهُون ذاك الإنسانَ الطُّوباوِيَّ الذي كُتِبَ عنه في المزاميرِ: "طُوبَى لِمَن لا يَسِيرُ عَلَى مَشُورَةِ الشِّرِّيرِينَ، وَلا يَتَوَقَّفُ فِي طَرِيقِ الخَاطِئِينَ، وَلا يَجلِسُ فِي مَجلِسِ السَّاخِرِينَ. بَل فيِ شَرِيعَةِ الرَّبِّ هَوَاهُ، وَبِشَرِيعَتِهِ يُتَمتِمُ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ" (مزمور ١: ١-٢).
    أيُّها الأحبّاء، إنَّ اللهَ الذي أقامَ لنا في القديمِ هذا العيدَ وهَبَنا أيضًا أن نحتفلَ به في كلِّ عامٍ. هو الذي أسلَمَ ابنَه للموتِ من أجلِ خلاصِنا، وهَبَنا للسَّبَبِ نفسِه هذا العيدَ المقدَّسَ. فهو من أهمِّ الأحداثِ في خلالِ السنة. يَسنُدُنا العيدُ في الشَّدائدِ التي نلاقيها في هذا العالم. ويَمنَحُنا اللهُ فيه بهجةَ الخلاصِ التي تَزِيدُ الإخاءَ والمودَّةَ، فيجعلُ مِنَّا جماعةً واحدةً، مرتبطةً بوَحدَةٍ روحيَّةٍ، ويُعطِينا أن نصلِّيَ معًا صلاةً واحدةً، وأن نَرفَعَ معًا آياتِ الشُّكر، بحَسَبِ ما يقتضي العيد. هذه هي آيةُ رأفتِه تعالى: فهو يجمَعُ في العيدِ بينَ البعيدِين والقرِيبِين، فيجعَلُ البعيدِين بالجسدِ قريبِين بوحدةِ الإيمان.