Follow by Email

mercredi 16 mars 2016

من كتاب التَّفسيرِ للقدّيس أغسطينس الأسقف في المزامير (مزمور 85، 1: CCL 39، 1176- 1177) يسوع المسيح يصلِّي من أجلنا ويصلِّي فينا وإليه نحن نصلِّي



    لا يَقدِرُ اللهُ أن يُعطِيَ النَّاسَ هِبَةً أكبرَ من أن يُقِيمَ رأسًا لهم كلمتَه الذي به خَلَقَ كلَّ شيءٍ، ويُقِيمَهم أعضاءً له، فيكونَ ابنَ اللهِ وابنَ الإنسانِ معًا، إلَهًا واحدًا مع الآبِ، وإنسانًا واحدًا مع النَّاسِ. فإذا توجَّهْنا إلى الآبِ ضارِعِين، لا نَفصِلْ الابنَ عنه، وإذا صلَّى الجسدُ لا يَفصِلْ نفسَه عن رأسِه، بل فليَبْقَ هو نفسُه المخلِّصَ الوحيدَ لجسدِهِ، ربَّنا يسوعَ المسيح، ابنَ اللهِ الذي يُصَلِّي من أجلِنا، ويُصَلِّي فينا، وإليه نحن نُصَلِّي.
     يُصَلِّي من أجلِنا لكونِه حَبرَنا. ويُصَلِّي فينا لكونِه رأسَنا. ونُصَلِّي نحن إليه لكونِه إلَهَنا.
    فَلْنتعرَّفْ فيه على أنفسِنا فنَسمَعَ أصواتَنا فيه، وصوتَه فينا. قد نقرأُ شيئًا عن يسوعَ المسيحِ، ولا سيَّما في النُّبؤاتِ، فيه تنازُلٌ وتواضُعٌ قد نرَاه غيرَ لائِقٍ بالعِزَّةِ الإلهيَّةِ. ومع ذلك يجبُ ألاّ نتردّدَ في نسبتِهِ إليه، كما أنَّه لم يتردَّدْ هو بأن يكونَ واحدًا منَّا، مع أنَّ الخليقةَ كلَّها تخدُمُهُ، لأنَّ الكونَ كلَّه به خُلِقَ ووُجِدَ. 
    ولهذا لدى سماعِنا هذه الآياتِ: "فِي البَدءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ لَدَى الله، وَالكَلِمَةُ هُوَ الله. كَانَ فِي البَدءِ لَدَى الله، بِهِ كَانَ كُلُّ شَيءٍ، وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيءٌ مِمَّا كَانَ" (يوحنا ١: ١-٣)، نتأمَّلُ في ألوهيَّتِه وفي سُمُوِّهِ، نتأمَّلُ في ألوهِيَةِ ابنِ اللهِ التي  تفوقُ كلَّ الخلائقِ وتَسمُو على كلِّ ما في الخلائقِ من سُمُوٍّ،  بينما نسمَعُه أيضًا في مكانٍ آخَرَ من الكتابِ المقدَّسِ يَبكِي ويُصَلِّي ويُسَبِّحُ الله.
    وقد نتردَّدُ في نسبةِ مثلِ هذا الكلامِ إليه، لأنَّه يَصعُبُ على فكرِنا الغارقِ في التأمُّلِ في الألوهِيَّةِ أن ينحدِرَ فيَقبَلَ تنازلَه وتواضعَه. ونشعُرُ وكأنَّنا نوجِّهُ إليه الإهانةَ إذا ما قَبِلْنا أن نَنسِبَ إليه تلك الكلماتِ التي تلفَّظَ بها كإنسانٍ، والتي كانَ يوجِّهُها إلى اللهِ حين كانَ يتوسَّلُ إليه، فنَحَارُ ونحاولُ تبديلَ المعنى. مع أنَّ الكتابَ لا يَنسِبُ إليه إلا ما نَسَبَ هو إلى نَفسِه. ومن ثَمَّ لا يجوزُ فيه التَّحويرُ أو التَّبديل.
    لِنَستفِقْ إذًا وَلْيَتنَبَّهْ إيمانُنا، فنرى أنَّ مَن كُنَّا نتأمَّلُ فيه قبلَ قليلٍ في صورةِ اللهِ قد أخذَ صورةَ العبدِ. وصارَ شبيهًا بالإنسانِ وإنسانًا مِثلَ كُلِّ إنسانٍ، فتواضعَ وأطاعَ حتَّى الموتِ. ولمَّا عُلِّقَ على الصَّليبِ قالَ بكلماتِ المزمورِ: "إلَهِي، إلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مزمور ٢١: ١).
    كإلَهٍ نُصَلِّي نحن إليهِ. وكإنسانٍ في صورةِ العبدِ هو يُصَلِّي إلى الله. في الحالةِ الأولى هو الخالق، وفي الحالةِ الثانيةِ هو الإنسانُ الذي اتَّخذَ، من غيرِ أن يتبدَّلَ، الخليقةَ التي كانَ من الواجبِ تبديلُها، وجعلَنَا معه إنسانًا واحدًا، هو الرَّأسُ ونحن الجسدُ. ولهذا نُصَلِّي إليه وبه وفيه، ومعه نقُولُ وهو يقولُ معَنا.