Follow by Email

lundi 7 mars 2016

من مواعظ أوريجانس الكاهن في سفر الأحبار (العظة 9، 5 و10: PG 12، 515 و 523) المسيح الكاهن هو الكفَّارة عنَّا



    يعتزِلُ عظيمُ الكهنةِ الشَّعبَ مرَّةً في السَّنةِ، فيَدخُلُ المكانَ الذي فيه الكفَّارَةُ، وفوقَه الكَاروبَان، وفيه تابوتُ العهد، ومذبحُ البخورِ. ولا يجوزُ دخولُه لأحدٍ إلاّ لعظيمِ الكهنةِ وحدَه.
    وأنا أرَى أنَّ الكاهنَ الحقيقيَّ هو الرَّبُّ يسوعُ المسيحُ: فقد أخذَ جسدًا وبَقِيَ السَّنةَ كلَّها مع الشَّعبِ، وهي السَّنةُ التي قال هو فيها: "أرسَلَنِي لأبَشِّرَ الفُقَرَاءَ، وَأُعلِنَ سَنَةَ رِضًا عِندَ الرَّبِّ، وَيَومَ مَغفِرَةٍ" (ر. لوقا ٤: ١٨-١٩). ولاحِظ كيف أنَّه دخلَ قُدسَ الأقداسِ مرَّةً واحدةً في هذه السَّنةِ، وذلك يومَ الكفَّارةِ: فبعدَ أن أتَمَّ رسالتَه على الأرضِ دخَلَ السَّماواتِ، وذهبَ إلى الآبِ لِيقدِّم الكفَّارةَ عن الجنس  البشريِّ، وَلِيَشفعَ بجميعِ الذين آمنوا به.
    عرَفَ القدِّيسُ يوحنا هذه الكفَّارة التي بها استغفرَ الآبَ للبشريَّةِ فقالَ: "يَا بَنِيَّ، أكتُبُ إلَيكُم بِهَذَا لِئَلا تَخطَأُوا. لَنَا شَفِيعٌ عِندَ الآبِ، وَهُوَ يَسُوعُ المَسِيحُ البَارُّ، إنَّهُ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا" (١ يوحنا ٢: ١). 
    وذكَرَ بولسُ أيضًا هذه الكفَّارةَ لمّا قالَ في المسيح: "ذَلِكَ الَّذِي جَعَلَهُ الله كَفَّارَةً فِي دَمِهِ بِالإيمَانِ" (روما ٣: ٢٥). فيومُ الكفَّارةِ إذًا باقٍ لنا إلى أن يَبلُغَ العالمُ نهايتَه.
    يقولُ كتابُ الله: "وَيُلقِي ذَلِكَ البَخُورَ عَلَى النَّارِ أمَامَ الرَّبِّ، حَتَّى يُغَطِّيَ غَمَامُ البَخُورِ الكَفَّاَرَةَ الَّتِي عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلا يَمُوتُ. ثُمَّ يَأْخُذُ مِن دَمِ العِجلِ، فَيَرُشُّ بَإِصبَعِهِ عَلَى وَجهِ الكَفَّارَةِ شَرقًا" (أحبار ١٦: ١٢- ١٤).
    عَلَّمَ القدماءُ كيف تَتِمُّ أمامَ اللهِ طقوسُ الكفَّارةِ عن النَّاسِ. أمَّا أنتَ الذي جِئْتَ إلى المسيحِ، الحبرِ الحقيقيِّ، والذي استرضى اللهَ بدمِه وصالَحَكَ مع الآبِ، فلا تتوقَّفْ عندَ دَمِ الحيواناتِ. بل انظُرْ بالأحرى إلى دَمِ الحَمَلِ، واسمَعْه هو نفسَه يقولُ لك: "هَذَا هُوَ دَمِي يُرَاقُ مِن أجلِكُم لِغُفرَانِ الخَطَايَا" (متى ٢٦: ٢٨). 
    وأمَّا رَشُّ الدَّمِ نحو الشَّرقِ فلا تَحسَبْ أنَّ تلكَ حرَكةٌ لا معنى لها. فمِن الشَّرقِ تأتِي المغفِرةُ. من هناك أتَى الوسيطُ بينَ اللهِ والنَّاسِ، ولهذا سُمِّيَ "المُشرِق".
    لهذا أنتَ مَدعُوٌّ إلى أن تنظُرَ دائمًا نحوَ الشَّرقِ، حيث تُشرِقُ لكَ شمسُ البِرِّ، وحيث يُولَدُ النُّورُ دائمًا، حتّى لا تسيرَ في الظَّلامِ أبدًا، ولا يُدرِكَكَ اليومُ الأخيرُ وأنت في الظَّلامِ، ولا يُحِيطَ بك ليلُ الجهلِ والعَتَمَةِ بل تَبقَى دائمًا سائرًا في نورِ العِلم، فتَملِكَ نهارَ الإيمان، وتنالَ دومًا نورَ المحبَّةِ والسَّلام.