Follow by Email

mercredi 2 mars 2016

من كتاب القديس تاوفيلوس الأنطاكي الأسقف إلى أَوطالكُس (Ad Autholicum) (الكتاب 1، 2 و7: PG 6، 1026- 1027 و 1035) طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله



إن قُلْتَ: أرِني إلَهَكَ، أقولُ لكَ: أرِني الإنسانَ الذي فيكَ، أُرِكَ إلهي. ومن ثَمَّ أرِني هل عَينَا عقلِك تَرَيان، وهل أُذُنا قلبِكَ تسمعان.
فكما أنَّ الذينَ ينظرُونَ بعيونِ الجسدِ يُدرِكون أمورَ هذه الأرض، ويبحثون في الأمورِ المختلفةِ فيها، في النُّورِ والظَّلامِ، والأبيضِ والأسودِ، والجميلِ والقبيحِ، والمنسجمِ وغيرِ المنسجمِ، في ما هو متناسِبٌ وفي ما هو متضخِّمٌ أو مبتورٌ، يمكنُ القولُ نفسُهُ في ما يقَعُ تحتَ السَّمَعِ، في الأصواتِ الحادَّةِ وَالخَشِنَةِ وَالرَّخيمةِ. وكذلك القولُ في صفةِ سَمَعِ القلبِ وعينَيِ الذِّهنِ فيما يختصُّ برؤيةِ الله.
يَرى اللهَ هؤلاءِ الذين يَقدِرُون أن يَرَوْا وعَينَا ذهنِهم مفتوحةٌ. فلِلجميعِ عيونٌ، ولكنَّ بعضَها يَغشَاه الظلامُ، فلا يَرَوْنَ نُورَ الشَّمس. وإذا لم يَرَ العميانُ النُّورَ، فذلك ليسَ لأنَّ نورَ الشَّمسِ لا يَشِعُّ، بل عليهم أن يَنسِبُوا العَمَى إلى أنفسِهِم وإلى عيونِهم. كذلكَ أنتَ إنْ غَشِيَ الظَّلامُ عينَيْكَ فذلكَ بسببِ الخطيئةِ والأعمالِ الشِّرِّيرةِ.
مِثلَ المِرآةِ النقيَّةِ، كذلك يجبُ أن تكونَ نفسُ الإنسانِ نقيَّةً. فإذا غَطَّى الصَّدَأُ المِرآةِ، لا يُمكِنُ للإنسانِ أن يَرَى وجهَه فيها. كذلك إن كانَتِ الخطيئةُ في الإنسانِ، فإنَّه لا يَقدِرُ معها أن يَرَى الله.
ولكن إن شِئْتَ فأنتَ تَقدِرُ أن تَبرَأَ. قدِّمْ نفسَكَ للطَّبيبِ وهو يُنَقِّي عَينَيْ ذهنِكَ وقلبِكَ. من هو هذا الطَّبيب؟ هو اللهُ الذي يُبرِئُ ويُحيِي بكلمتِهِ وبحكمتِهِ. خلَقَ اللهُ الكونَ بكلمتِهِ وحكمتِهِ. لأنَّه "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتْ السَّمَاوَاتُ، وَبِرُوحِ فَمِهِ صُنِعَ كُلُّ جَيشِهَا" (مزمور 32: 6). وإنَّها لَحِكمةٌ ساميَةٌ ولامتناهيَةٌ. بحكمتِهِ أرسَى اللهُ أُسُسَ الأرضِ، وبفطنتِهِ بسَطَ السَّماواتِ. وبعِلمِهِ تنكشفُ الأعماقُ، والغيومُ تُرسِلَ نَداها.
إن فهِمْتَ هذه الأمورَ، أيُّها الإنسانُ، وسِرْتَ سِيرةً نقيَّةً ومقدَّسةً وبارَّةً استطَعْتَ أن تَرَى الله. ولكن، قبلَ كلِّ شيءٍ ليمتلئْ قلبُكَ بالإيمانِ ومخافةِ الله، وحينئِذٍ تَفهَمُ. عندما تتخلَّى عن الطَّبيعةِ المائتةِ وتَلبَسُ الخلودَ، عندئِذٍ تَرَى اللهَ بحسبِ استحقاقاتِكَ. سيُقيمُ اللهُ جسدَكَ مع النَّفسِ الخالدةِ. وعندما تُصبِحُ خالدًا سوف تَرَى الخالدَ، على أن تكونَ قد آمَنْتَ به منذُ الآن.