Follow by Email

mardi 26 avril 2016

من كتاب التفسير للقدّيس كيرلس اسقف الإسكندرية في إنجيل القديس يوحنا (الكتاب 10، 2: PG 74، 331- 334) أنا الكرمة وأنتم الأغصان


    يقولُ الربُّ عن نفسِه إنّه الكرمةُ، ليُبيِّنَ لنا أنّه يجبُ علينا أن نتَّحدَ به بالمحبّة، وليبيّنَ لنا الخيرَ الذي نَجنِيه من اتّحادِنا به. ومن كانوا متّحدِين به، منغرسِين وثابتِين فيه، يُسمِّيهم الأغصان. فهم مشاركون في طبيعتِه، بقوّةِ شَرِكةِ الرُّوحِ القُدُس، فهو الذي يوحِّدُنا بالمسيح.
    الذين يَدنُون من الكرمةِ إنّما يتقدَّمون بإرادتهِم وقرارِهم. وأمَّا اتِّحادُ الكرمةِ بنا فناجمٌ عن المحبَّةِ وعن طبيعةِ الكرمةِ نفسِها. تقدَّمْنا نحن من المسيحِ بالإيمانِ بناءً على إرادةٍ صالحةٍ فينا. وصِرْنا شركاءَ في طبيعتِه لأنَّه منحَنا كرامةَ التَّبنّي. قالَ القدِّيسُ بولس: "مَن اتَّحَدَ بِالرَّبِّ فَقَد صَارَ وَإيَّاهُ رُوحًا وَاحِدًا" (1 قورنتس 6: 17).
    قالَ النَّبُّي في مكانٍ آخرَ إنَّ المسيحَ هو الرُّكنُ والأساسُ، وعليه نحن نُبنَى. ولذلك نُسمَّى بالحجارةِ الحيَّةِ الرُّوحيّة، لأنَّنا كهنوتٌ مقدَّسٌ، ومسكنٌ لله بالرُّوحِ. ولا يمكنُ أن نُبنَى بطريقةٍ أخرى، إلا أن يكوُنَ المسيحُ هو الأساس. وبهذا المعنى، يقولُ المسيحُ إنّه الكرمة، وهو مِثلُ الوالدةِ والمربِّيةِ للأغصانِ التي تتفرَّعُ منه.
     وُلِدْنا ولادةً ثانيةً منه وفيه، في الرُّوحِ القُدُس، لِنُثمِرَ ثمارَ الحياةِ، لا تلك الحياةِ القديمةِ البالية، ولكنْ الحياةِ التي تقومُ بنشاطٍ جديدٍ وبالمحبّةِ له. فَلْنُحافِظْ على أنفسِنا، منغرسِين فيه، أُمَنَاءَ للوصيّةِ التي سلَّمَنا إيّاها، ومجتهدين في المحافظةِ على كرامتِنا التي منحَنا إيّاها، فلا نسمحُ لأنفسِنا على الإطلاق بأن نُحزِنَ الرُّوحَ المقيمَ فينا، والذي به نَعلمُ أنَّ اللهَ يُقِيمُ فينا.   
    كيف نَثبُتُ نحن في المسيحِ، وكيف يَثبُتُ هو فينا، هذا ما يبيِّنُه لنا القدّيسُ يوحنا في حكمتِه حيث يقول: "وَنَعرِفُ أنَّنَا فِيهِ نُقِيمُ، وَأنَّهُ يُقِيمُ فِينَا، بِأنَّهُ مِن رُوحِهِ وَهَبَ لَنَا" (1 يوحنا 4: 13).
    كما أنَّ أصلَ الكرمةِ يُمِدُّ الأغصانَ بصفاتِ طبيعتِه، كذلك الكلمةُ الابنُ الوحيدُ للهِ الآبِ، فإنّه يُمِدُّ القدّيسين بشبهِ شراكةٍ مع طبيعتِه الإلهيَّةِ، فيَهَبُ لهم الرُّوحَ بغزارة، ولا سيّما لمن اتّحدوا معه بالإيمانِ وبكمالِ القداسة، ويُغذِّي تقواهم، ويؤهِّلُهم لكلِّ معرفةٍ وفضيلةٍ وصلاح.