Follow by Email

samedi 23 avril 2016

من كتاب التفسير للقدّيس كيرلس الإسكندري الأسقف في الرسالة إلى أهل روما (فصل 15، 7: PG 74، 854- 855) فاضت رحمة الله على الجميع ونال الخلاص العالم كله



    نحن على كثرَتِنا جسدٌ واحدٌ، وأعضاءٌ بعضُنا لبعضٍ، كما هو مكتوبٌ، والمسيحُ يوحِّدُنا برباطِ المحبّة.: "فَقَد جَعَلَ مِنَ الجَمَاعَتَيْنِ جَمَاعَةً وَاحِدَةً، وَهَدَمَ الحَاجِزَ الَّذِي يَفصِلُ بَينَهُمَا، وَألغَى شَرِيعَةَ الوَصَايَا وَمَا فِيهَا مِن أحكَامٍ" (أفسس 2: 14). يجبُ أن يشعرَ الجميعُ بالمشاعرِ نفسِها. فإذا تألَّمَ عضوٌ رَأَفَ به سائرُ الأعضاء. وإذا أُكرِمَ عُضوٌ فَرِحَ معه سائرُ الأعضاء.
    "فَتَقَبَّلُوا إذًا بَعضُكُم بَعضًا كَمَا تَقَبَّلَكُم المَسِيحُ لِمَجدِ الله" (روما 15: 7). لِنَتقبَّلْ بعضُنا بعضًا إن أرَدْنا أن نشعُرَ بالمشاعرِ نفسِها، فَنَحمِلَ أثقالَنا بعضُنا مع بعضٍ، محافظِين "عَلَى وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلامِ" (أفسس 4: 3). هكذا تقبَّلَنا اللهُ في المسيح. وهو صادِقٌ حينَ قال: "إنَّ اللهَ أحَبَّ العَالَمَ حَتَّى إنَّهُ جَادَ بِابنِهِ الوَحِيدِ" من أجلِنا (يوحنا 3: 16). جادَ به فداءً  لنَحيَا به جميعًا. فنقلَنا من الموتِ إلى الحياة، وفدانا من الموتِ والخطيئة. وقد بيَّنَ الغايةَ من هذا البذلِ لمَّا قالَ إنَّ المسيحَ صارَ خادمًا للختانِ من أجلِ الحقِّ. وقد وعدَ اللهُ أجدادَ الشَّعبِ اليهوديِّ أنَّه سيبارِكُ نسلَهم ويكثِّرُه مثلَ نجومِ السَّماء. ولهذا ظهرَ في الجسد، وصارَ إنسانًا هو اللهُ وكلمةُ الله، الحافظُ بقدرتِه الخليقةَ كلَّها، وواهبُ الوجودِ لجميعِ الكائناتِ لأنَّه الله. جاءَ إلى هذا العالمِ بحسبِ الجسد، لا ليُخدَمَ، بل ليكونَ هو الخادمَ، كما قال، وليبذِلَ نفسَه فداءً عن كثيرين.
    وقد صرَّحَ جليًّا أنَّه جاءَ ليتمِّمَ المواعِدَ لإسرائيل. قال: "لَم أُرسَلْ إلاّ إلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِن بَيتِ إسرَائيل" (متى 15: 24). ولذلك لم يكُنْ بولسُ على خطأ لمّا قالَ إنَّ المَسيحَ جاءَ خادمًا للختان، وليتمِّمَ المواعدَ المعطاةَ للآباء. ولهذا السَّببِ أيضًا أوحى الله الآبُ إليه أنَّ رحمتَه تَشمَلُ الوثنيِّين أيضًا، حتى  يمجِّدوه ويعترفوا به خالقًا ومُبدِعًا لكلِّ شيء، ومخلِّصًا وفاديًا. شملَتْ رحمةُ الله الجميع، فبلغَتِ الوثنيِّين أيضًا. ولم ينحرِفْ مع ذلك سرُّ الحكمةِ في المسيحِ عن غايةِ رحمتِه: فبدلَ الذين ابتعدوا، خَلُصَ الكونُ كلُّه برحمةِ اللهِ.