Follow by Email

mardi 5 avril 2016

من كتابات القديس فولجنسيوس الإفريقي الأسقف إلى مونيموس (الكتاب 2، 11- 12: CCL 91، 46- 48) سر الوحدة والمحبة



    قالَ القدّيسُ بطرسُ الرسول: "إنَّكُم شَأْنَ الحِجَارَةِ الحَيَّةِ تُبنَوْنَ بَيتًا رُوحِيًّا فَتَكُونُونَ جَمَاعَةً كَهنُوتِيَّةً مُقَدَّسَةً، كَيمَا تُقَرِّبُوا ذَبَائِحَ رُوحِيَّةً يَقبَلُهَا اللهُ عَن يَدِ يَسُوعَ المَسِيح" (1 بطرس 2: 3- 5). إنّ البناءَ الرُّوحيَّ لجسدِ المسيحِ يَتِمُّ بالمحبّة. وأقولُ إنّه لا يوجَدُ وقتٌ أكثرُ مناسبةً للصَّلاةِ لتحقيقِ هذا البناءِ الرُّوحيِّ من الوقتِ الذي تقدِّمُ فيه الكنيسةُ، وهي جسدُ المسيحِ، جسدَ المسيحِ ودمَه في سرِّ الخبزِ والخمر: "إنَّ الكأسَ التي نشربُها هي مشاركةٌ في دمِ المسيح، والخبزُ الذي نَكسِرُه هو مشاركةٌ في جسدِ المسيح. فلمّا كانَ هناك خبزٌ واحدٌ، فنحن على كثرتِنا جسدٌ واحدٌ، لأنّنا نشتركُ كلُّنا في هذا الخبزِ الواحد" (ر. 1 قورنتس 10: 16- 17).  
    ولهذا نطلبُ من اللهِ النَّعمةَ نفسَها التي بها أصبحَتْ الكنيسةُ جسدَ المسيح، وبها نسألُهُ أن يُثبِّتَ جميعَ الأعضاءِ المدعوِّين إلى المحبّةِ في وحدةِ الجسدِ وفي الوئام.
    نطلُبُ ذلك بنعمةِ الرُّوحِ المقيمِ فينا، وهو الرُّوحُ الواحدُ، روحُ الآبِ والابنِ، ولأنَّ الوحدةَ والمساواةَ والمحبَّةَ في الثَّالوثِ القُدُّوسِ الإلهِ الواحدِ والحقيقيِّ، تُقدِّسُ مَن تَتَبَنَّى في الوَحدةِ والوفاق. لهذا يُقال: "إنَّ مَحَبَّةَ الله أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي وُهِبَ لَنَا" (روما 5: 5).
    فإنّ الرُّوحَ القدسَ، روحَ الآبِ والابن، يعملُ هذا في من يمنحُهم نعمةَ التَّبنِّي الإلهي، وقد عَمِلَ ذلك في هؤلاءِ الذين ذَكَرَ سفرُ أعمالِ الرُّسلِ أنّهم قَبِلُوا الرُّوحَ نفسَه. وقد قيلَ فيهم: "وَكَانَ جَمَاعَةُ الَّذِينَ آمَنُوا قَلبًا وَاحِدًا وَنَفسًا وَاحِدَةً" (أعمال 4: 32). فالذي جعلَ جماعةَ المؤمنين بالله قلبًا واحدًا ونفسًا واحدةً هو الرُّوحُ الواحدُ، روحُ الآبِ والابن، والذي هو إلهٌ واحدٌ مع الآبِ والابن.
    ولهذا قالَ الرَّسولُ إنّه يجبُ المحافظةُ على هذه الوحدةِ الرُّوحيّةِ في رباطِ السَّلام باهتمامٍ بالغٍ. قالَ ذلك منبِّهًا أهلَ أفسس: "أُنَاشِدُكُم أنَا السَّجِينَ فِي الرَّبِّ أن تَسِيرُوا سِيرَةً تَلِيقُ بِالدَّعوَةِ الَّتِي دُعِيتُم إلَيهَا، سِيرَةً مِلؤُهَا التَّوَاضُعُ وَالوَدَاعَةُ وَالصَّبرُ، مُحتَمِلِينَ بَعضُكُم بَعضًا فِي الَمَحَبَّةِ، وَمُجتَهِدِينَ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلامِ، فَهُنَاكَ جَسَدٌ وَاحِدٌ وَرُوحٌ وَاحِدٌ" (أفسس 4: 1- 4). 
    إنَّ اللهَ يحفظُ محبّتَه المُفاضَةَ بالرُّوحِ القدسِ في الكنيسةِ ، فيجعلُها بذلك ذبيحةً مَرْضِيَّةً لديه يُمْكِنُها أن تقبلَ دائمًا نعمةَ المحبّةِ الرُّوحيّة، وبها يُمْكِنُها أن تقرِّبَ نفسَها قربانًا حيًّا مقدَّسًا مقبولاً أمامَ الله.