Follow by Email

vendredi 1 avril 2016

من التّعاليم الأورشليميّة (الدرس 21، في الأسرار 3، 1- 3: PG 33، 1087- 1091) مسحة الروح القدس



    "فَإنَّكُم جَمِيعًا، وَقَد اعتَمَدْتُم فِي المَسِيحِ، لَبِسْتُم المَسِيحَ" (غلاطية ٣: ٢٧)، فأصبَحْتُم على مثالِ صورةِ ابنِ الله . لأنّ اللهَ الذي اختارَنا لنكونَ أبناءَ التَّبنّي جعلَنا على صورةِ جسدِ المسيحِ الممجَّدِ. وبما أنّكم أصبَحْتُم شركاءَ المسيح، فأنتُم مدعوّون بحقٍّ "مُسَحَاء". وفيكم قال الله: "لا تَمَسُّوا مُسَحَائِي" (مزمور١٠٤: ١٥).
    أصبَحْتُم مُسَحاءَ لمّا قبِلْتُم ختمَ الرُّوحِ القُدُس. كلُّ شيءٍ تمَّ فيكم بالرُّموزِ والصُّوَرِ، وأنتم صورةُ المسيح. لمّا تعمَّدَ هو في نهرِ الأردنّ، منَحَ المياهَ عندما لامسَها عِطرَ ألوهيَّتِه، ثم صعدَ منها، فحلَّ الرُّوحُ القُدُسُ بجوهرِه عليه، واستقرَّ الشَّبَهُ على الشَّبَهِ.
    وأنتم كذلك، لمّا خرَجْتُم من جرنِ المياهِ المقدَّسة، مُسِحْتُم بالمَيْرون، وهو صورةٌ لِما مُسِحَ به المسيح: أعني الرُّوحَ القُدُس. وهو الذي ذَكَرَهُ أشعيا النبيُّ لمّا تنبَّأ عن المسيحِ قال: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي، وَأرسَلَنِي لأُبَشِّرَ الفُقَرَاءَ" (أشعيا ٦١: ١).
    لم يُمسَحْ المسيحُ بزيتٍ أو بدُهنٍ مادّيٍّ على يدِ إنسان. إنّما اللهُ الآبُ الذي سبقَ واختارَه ليكونَ مخلّصَ العالمِ أجمعَ، مسحَه بالرُّوحِ القُدُس، كما قالَ القدّيسُ بطرس: "فيِ شَأنِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ الَّذِي مَسَحَهُ الله بِالرُّوحِ القُدُسِ" (أعمال ١٠: ٣٨). وقالَ النَّبيُّ داود أيضًا: "عَرشُكَ، يَا الله، أبَدَ الدُّهُورِ، وَصَولَجَانُ مُلكِكَ صَولَجَانُ استِقَامَةٍ. أحبَبْتَ البِرَّ وأَبغَضْتَ الشَّرَّ، لِذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إلَهُكَ بِزَيتِ الابتِهَاجِ دونَ أصحَابِكَ" (مزمور ٤٤: ٧-٨).
    مُسِحَ المسيحُ بزيتِ الابتهاجِ الرُّوحيِّ، أي بالرُّوحِ القُدُس، وقد سُمِّيَ "زيتَ الابتهاج" لأنّه أصلُ البهجةِ الرُّوحيّةِ ومصدرُها. أمّا أنتم فقد مُسِحْتم بالزَّيتِ وصِرْتُم شركاءَ المسيحِ وأصحابَه.
    ولكنْ احذَرْ من أن تظُنَّ أنَّ هذا الزَّيتَ هو زيتٌ عاديٌّ فقط أو هو شيءٌ هيِّنٌ. إنَّ هذا الزَّيتَ مقدَّسٌ. لم يعُدْ بعدُ زيتًا عاديًّا، بعدَ الصَّلاةِ عليه. إنّه عطاءُ المسيحِ والرُّوحِ القُدُس، وبه وبقوّةِ الرُّوح أصبحَ اللهَ حاضرًا بينَنا. مُسِحْتَ رمزيًّا بهذا الزَّيتِ على جبينِكَ وسائرِ حواسِّكَ. وفي الوقتِ الذي يُمسَحُ فيه الجسدُ بالزَّيتِ المنظور، تُقدَّسُ النَّفسُ بالرُّوحِ القُدُسِ المُحيِي.