Follow by Email

samedi 2 avril 2016

من التَّعاليم الأورشليميّة (الدرس 22، في الأسرار 4، 1و 3- 6 و9: PG 33، 1098- 1106) خبز السماء وكأس الخلاص


      "إنَّ الربَّ يسوعَ المسيح، في الليلةِ التي أُسلِمَ فيها، أخذَ خبزًا وشكرَ، ثم كسرَه، وأعطاه تلاميذَه قائلا: خذوا فكُلوا، هذا هو جسدي. ثم أخذَ الكأسَ وشكرَ وقال: خذوا فاشربوا، هذا هو دمي" (ر. ١ قورنتس ١١: ٢٣-٢٦). بما أنّه هو الذي تلفّظَ بهذا الكلامِ وقالَ على الخبزِ: "هذا هو جسدي"، فمَن يجرؤُ بعدَ ذلك أن يشُكَّ ويتردَّدَ؟ ولمَّا أكّدَ هو نفسُه وقال: "هذا هو دمي"، فمن يشكُّ فيقولَ إنّه ليسَ دمَه؟

      فَلْنَتقدَّمْ إذًا، وَلْنَأخُذِ الجسدَ والدَّمَ ونحن مقتنعون كلَّ الاقتناعِ بأنّهما جسدُ المسيحِ ودمُه. فالجسدُ يُعطَى لكَ بصورةِ الخبز، والدَّمُ يُعطَى لكَ بصورةِ الخمر، حتى إذا أخذْتَ جسدَ المسيحِ ودمَه، أصبحْتَ وكأنّك جسدٌ واحدٌ ودمٌ واحدٌ مع المسيح. هكذا نصبحُ نحن "حاملِي المسيح"، بعدَ أن انتشرَ جسدُه ودمُه في أعضائِنا. وهكذا نصبحُ، على حدِّ تعبيِر الطُّوباويِّ بطرس، "شركاءَ في الطَّبيعةِ الإلهيّة".

      كانَ المسيحُ يكلِّمُ اليهودَ يومًا فقالَ لهم: "إذا لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي، فلن تكونَ فيكم الحياة" (ر. يوحنا ٦: ٥٣). ولم يفهمِ اليهودُ كلامَ يسوعَ بمعناه الرُّوحيِّ، فتشكّكوا وتركوه، ظنًّا منهم أنّه كان يدعوهم إلى أكلِ جسدٍ بشريٍّ.

      كانَ في العهدِ القديمِ أيضًا خبزُ التَّقدمة. إلا أنّه أُلغِيَ الآن مع نهايةِ العهدِ القديم. أمّا في العهدِ الجديدِ فيوجَدُ خبزُ السَّماءِ وكأسُ الخلاصِ المقدِّسان للنَّفسِ والجسدِ. فكما أنَّ الخبزَ ضروريٌّ للجسدِ، كذلك الكلمةُ ضروريٌّ للنَّفس.

      فلا تنظُرْ إذًا إلى الخبزِ والخمرِ في الإفخارستيا، وكأنّهما عناصرُ طبيعِيَّةٌ فقط، إذ هما جَسَدُ المسيحِ ودمُه، كما أكَّدَ ذلك الرَّبُّ نفسُه. قد تُوحِي إليك الحواسُّ غيرَ ذلك، ولكنَّ الإيمانَ يؤكِّدُ لك ذلك ويثبِّتُه.

      تعلَّمْ هذا وتأكَّدْ بإيمانِكَ أنَّ ما يبدو لكَ خبزًا ليسَ بخبز، ولو كانَ كذلك في المَذاق، بل هو جسدُ المسيح؛ وما يبدو لك خمرًا ليس بخمر، ولو كانَ كذلك في المَذاق، بل هو دمُ المسيح. وفي ذلك قالَ داودُ في القديمِ في المزامير: "خبزٌ يَسنُدُ قلبَ الإنسان، وزيتٌ يُنَضِّرُ وجهَه ويملأُه بهجةً" (ر. مزمور ١٠٣: ١٥). ثبِّتْ قلبَك إذًا بتناولِ هذا الخبزِ على أنّه خبزٌ روحيٌّ، ولْتملأْ البهجةُ أساريرَ وجهِك.

      ليتَكَ تشاهدُ كما في مِرآةٍ، بوجهٍ مضيءٍ وبضميرٍ نقيٍّ، مجدَ الربِّ، فتزدادَ مجدًا على مجد، في المسيحِ يسوعَ ربِّنا، الذي له الإكرامُ والقدرةُ والمجدُ، أبدَ الدُّهور. آمين.