Follow by Email

vendredi 15 avril 2016

من مواعظ القديس أفرام الشماس ( العظة في المسيح ربنا، 3، 4 و9: مجموعة المؤلفات، طبعة Lamy 1، 152- 158 و166- 168) صليبُ المسيح خلاص الجنس البشريّ



    قَهَرَ الموتُ رَبَّنا، ولكنّ ربَّنا عادَ فقهرَ الموتَ وجعلَ منه طريقًا. خضعَ للموتِ وتقبَّلَه طوعًا، لِيُدمِّرَ الموتَ والموتُ راغمٌ. حَمَلَ صليبَهُ وخرجَ به والموتُ آمِرٌ. ولكنّهُ صاحَ من فوقِ الصَّليب، فأَخرجَ الموتى من جَوفِ الجَحيمِ والموتُ خاضعٌ. 
    قتلَه الموتُ في الجسدِ الذي اتَّخذَه، ولكنَّه بِالسلاحِ نفسِه انتصرَ على الموت. احتجبَ اللاهوتُ في النَّاسوتِ ودنا من الموت، فقَتَلَ الموتُ وقُتِلَ: قتلَ الموتُ الحياةَ الطَّبيعيَّةَ، وقتَلَتْهُ الحياةُ فائقةُ الطبيعة. 
    لم يكُنْ للموتِ أَن يفترسَهُ بغيرِ جسد، ولا للجحيمِ أَن تَبتَلِعَهُ بغيرِ جسم. فجاءَ إِلى البَتولِ منها يأخذُ العَرَبَةَ التي يَدخُلُ بها الجحيم: بالجسدِ الذي اتَّخذَه دَخَلَ الجحيمَ، فبدَّدَ أسلابَها وأَفرغَ كنوزَها.
    جاءَ إِلى حَوّاءَ، أُمِّ الأحياء. هي الكَرمَةُ التي هَدَمَ الموتُ سِياجَها بِيَدِ حوّاءَ نفسِها، لتذوقَ من ِثمَرها. فصارَتْ حوّاءُ، أُمُّ الأحياءِ، ينبُوعَ الموتِ لِكُلِّ الأحياء. 
    ثم أزهرَتْ مَريمُ، كرمةً جديدةً بدلَ الكرمةِ العتيقة حَوّاءَ. وحَلَّ فيها المسيحُ، الحياةُ الجديدةُ. فلمّا جاءَ الموتُ يَرعَى على عادتِه، ودنَا واثقًا لا يتوقَّعُ في الثّمَرَةِ جديدًا، وجدَ الحياةَ قاتِلةَ الموتِ كامنةً فيها. فلمَّا ابتَلعَها مطمئِنًّا غيرَ خائفٍ، حرَّرَتِ الحياةُ الحياةَ وحرَّرَتْ معَها الكَثيرين.
    هذا هُو ابنُ النّجّارِ المجيد، حملَ صليبَه فوقَ الجحيمِ مفترسةِ البرايا، وعبَرَ بالإنسانيّةِ إِلى دارِ الحياة. بالشَّجرةِ خَطِئَتِ الإنسانيّةُ وهوَتْ إلى مَثوَى الجحيم، وعلى شجرةٍ عبَرَتْ إِلى دارِ الحياة. في الشَّجرةِ انسابَتِ المرارة، وفي الشَّجرةِ طُعِّمَتِ الحلاوة: بذلك عرَفْنا مَن لا مُقاوِمَ لهُ في البَرايَا. 
    لكَ المجدُ يا مَنْ نَصَبْتَ الصَّليبَ جِسراً فوقَ الموت، لتعبُرَ عليهِ النُّفوسُ مِن دارِ الموتِ إِلى دارِ الحياة.
    لكَ المجدُ، يا من لَبِسْتَ جسدَ آدمَ المائت، فجعَلْتَهُ يَنبُوعَ حياةٍ لِجميعِ المائِتين.
     أَنتَ الحيّ: كانَ قاتِلوكَ مثلَ الزّارِعِين، غرسُوا حَياتَكَ كَحبَّةِ الحِنطةِ في بطنِ الأرضِ، لِتقُومَ وتُقيمَ معَها الكثيِرين.
    هلُمّوا نقرِّبْ حُبَّنا قربانًا رحْبًا شاملا، ولْنُصعِدْ التَّرانيمَ والصَّلواتِ الكثيرةَ لمَن قرَّبَ صليبَه ذبيحةً لله، ليُغدِقَ علينا نعمَه وعطاياه.