Follow by Email

jeudi 21 avril 2016

من كتابات القدّيس أغسطينس الأسقف في إنجيل القديس يوحنا (الكتاب 65، 1- 3: CCL 36، 490- 492) الوصية الجديدة



    يؤكِّدُ يسوعُ المسيحُ أنَّه أعطَى رسلَه وصيَّةً جديدةً، وهي أن يُحبَّ بعضُهم بعضًا: "أُعطِيكُم وَصِيَّةً جَدِيدَةً: أحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا" (يوحنا 13: 34).
    ألم تكُنْ هذه الوصيَّةُ من قبلُ في شريعةِ الله القديمة، فقد جاءَ في سفر الأحبار: "أحبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ" (أحبار 19: 18)؟ لماذا يُسمِّي الربُّ إذاً جديدًا ما هو واضحٌ أنَّه قديم؟ أم هي وصيَّةٌ جديدةٌ لأنَّ المؤمنَ يَخلَعُ الإنسانَ القديمَ ويَلبِسُ الإنسانَ الجديد؟ ليسَ كلُّ محبةٍ تجدِّدُ من يسمعُ  هذه الوصيَّةَ أو بالحريِّ من يعملُ بها، بل فقط المحبَّةُ التي ميَّزَها الرَّبُّ عن المحبَّةِ الجسديَّةِ، بقولِه: "كَمَا أحبَبْتُكُم أنَا" (يوحنا 13: 14).
    هذه المحبَّةُ تجدِّدُنا، وتجعلُنا إنسانًا جديدًا، ووَرَثَةً للعهدِ الجديدِ، ومُنشدِين نشيدًا جديدًا. هذه المحبَّة، أيّها الإخوةُ الأعزّاء، هي التي جدَّدَتْ في القديمِ الأبرارَ والآباءَ والأنبياءَ، وفي ما بعدُ الرُّسُلَ الطُّوباويِّين. وهي نفسُها التي تجدِّدُ اليومَ الشُّعوبَ، فتَجمَعُ الجنسَ البشريَّ كلَّه المنتشرَ في كافَّةِ أنحاءِ العالم، وتجعلُه شعبًا جديدًا، هو بمثابةِ الجسدِ الجديدِ لابنِ اللهِ الوحيدِ، وقد شبَّهَه سِفرُ نشيدِ الأناشيدِ بصورةِ العروسِ الجديدةِ المتقدِّمةِ نحوَ ابنِ الله الوحيدِ، قال: "مَن هَذِهِ المُشرِقَةُ الطَّالِعَةُ مِنَ البَرِّيَّةِ" (ر. نشيد 8: 5). أشرَقَتْ لأنَّها تجدَّدَتْ. وما الذي جدَّدَها سوى الوصيَّةِ الجديدة؟ 
    إنَّ الأعضاءَ في الجسدِ الواحدِ يهتمُّون بعضُهم ببعضٍ: فإنْ تألَّمَ عُضوٌ، تألَّمَتْ سائرُ الأعضاءِ معَه، وإنْ أُكرِمَ عُضوٌ فَرِحَتْ معَه سائرُ الأعضاءِ (ر. ذ قورنتس 12: 25- 26). فالكلُّ يسمعُ الوصيَّةَ ويحفظُها: "أُعطِيكُم وَصِيَّةً جَدِيدَةً: أحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا" (يوحنا 13: 34). ولكن أحبُّوا لا  كما يُحِبُّ المفسِدون، ولا كما يحبُّ النَّاسُ بعضُهم بعضًا حبًّا بشريًّا فقط، بل أحِبُّوا بعضُكم بعضًا لأنَّكم مثلَ الله، ولأنَّكم جميعًا أبناءُ العليِّ، لتكونوا إخوةً لابنِه الوحيد، فتُحبُّون بعضُكم بعضًا بالمحبّةِ التي أحبَّكم هو بها، ليسيرَ بكم إلى حيث تجدون كفايتَكم وحيث تُشبَعُ كلُّ رغَباتِكم في الخيرِ والصَّلاح (ر. مزمور 102: 5). إذّاك لن تبقى رغبةٌ إلَّا وتجدُ مِلئَها، عندما يكونُ الله كلَّ شيءٍ في الكلِّ (ر. ذ1 قورنتس 15: 28).
    والذي يمنحُنا هذه المحبَّةَ هو الرَّبُّ نفسُه الذي قال: "كَمَا أحبَبْتُكُم أحِبُّوا أنتُم أيضًا بَعضُكُم بَعضًا" (يوحنا 13: 34).  لهذا أحبَّنا، حتى نُحِبَّ بعضُنا بعضًا. ومنَحَنا هذه المحبَّةَ لنكونَ متَّحدِين بالمحبَّةِ المتبادَلةِ فيما بينَنا، فنرتبطَ بأعذبِ رباط، ونكونَ جسدًا لهذا الرَّأسِ الرَّفيع، ربِّنا يسوعَ المسيح.