Follow by Email

mercredi 20 avril 2016

من كتاب القدّيس هلاريوس الأسقف في الثّالوث الأقدس (الكتاب 8، 13- 16:PL 10، 246- 249) وحدة المؤمنين في الله تتم بتجسد الكلمة وبسر الإفخارستيا


    حقًّا "الكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا" (يوحنا ١: ١٤)، وحقًّا نحن نتناولُ جسدَ الكلمةِ على مائدةِ الرَّبِّ. فكيفَ لا نقولُ إنَّه مقيمٌ فينا بحكمِ الطَّبيعة؟ فقد وُلِدَ إنسانًا متَّخِذًا طبيعتَنا البشريَّةَ بصورةٍ نهائيَّةٍ ودائمةٍ. وجَمَعَ طبيعتَه البشريَّةَ إلى طبيعتِه الأزليَّةِ في السِّرِّ الذي نتناوَلُ فيه جسدَه. ولهذا فنحن جميعًا واحدٌ، لأنَّ الآبَ في المسيح، والمسيحَ فينا. هو فينا بجسدِه، ونحن فيه، بما أنَّ الذي فينا (أي طبيعتَنا البشريَّةَ) هو فيه وفي الله.
    وهو يبيِّنُ كيفَ نكونُ نحن فيه بسرِّ تناولِ جسدِه ودمِه حينَ يقول: "بَعدَ قَليلٍ لن يراني العالم، أمَّا أنتم فسترَوْنني لأنّي حيٌّ، ولأنّكم أنتم أيضًا ستحيَوْن. لأنّي في أبِي وأنتم فيَّ وأنا فيكم" (ر. يوحنا ١٤: ١٩-٢٠). لو أرادَ أن يُشيرَ بهذا الكلامِ إلى وحدةِ الإرادةِ فقط لَمَا لجأَ إلى التدرُّجِ والتَّرتيبِ في تعبيِره عن تتميمِ الوحدة. فهو والآبُ واحدٌ بحكمِ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ. وأمَّا معَنا فهو واحدٌ بحكمِ الولادةِ الجسديَّةِ. ويجبُ أن نؤمنَ بسرِّ وحدتِه فينا بطريقةٍ أخرى أي بسرِّ الإفخارستيا. ولهذا نُعلِّمُ أنَّ الوحدةَ الكاملةَ تَتِمُّ عن طريقِه كوسيطٍ بينَ اللهِ والنَّاسِ: فنحن نقيمُ فيه، وهو يقيمُ في الآب، وإذ يُقيمُ في الآبِ فهو يبقى مُقيمًا فينا أيضًا. وهكذا نتقدَّمُ نحن إلى الوحدةِ مع الآب، لأنَّنا نحن فيه بحكم الولادةِ الطَّبيعيَّةِ، وهو بحكمِ الطَّبيعةِ نفسِها مقيمٌ فينا.
    وكيف تكونُ هذه الوحدةُ فينا طبيعيَّةً، فهو يبيِّنُ ذلك بقولِه: "مَن أكَلَ جَسَدِي وَشَرِبَ دَمِي ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فِيهِ" (يوحنا ٦: ٥٦). لن يكونَ أيُّ واحدٍ فيه، ما لم يكُنْ هو (أي المسيحُ) فيه مِن قبلُ. سيكونُ فقط في مَن يتناولُ جسدَه.
    وقد علَّمَ في كلامٍ سابقٍ سرَّ هذه الوحدةِ الكاملةِ لمّا قال: "كَمَا أنَّ الآبَ الحَيَّ أرسَلَنِي، وَأنِّي أحيَا بِالآب، فَكَذَلِكَ الَّذِي يَأكُلُنِي سَيَحيَا بِي" (يوحنا ٦: ٥٧). فهو يحَيا إذًا بالآب. وكما يَحيا بالآبِ كذلك نحن نَحيا بجسدِه.
    كلُّ هذا التَّشبيهِ يساعدُنا على فهمِ السِّرِّ، فنفهمُ ما يَجرِي فينا عن طريقِ المثالِ المقدَّمِ لنا. هذا هو مصدرُ الحياةِ فينا: أنَّ المسيحَ يقيمُ فينا نحن الجسديِّين، بحسبِ الجسد. وسنَحيَا فيه كمِثلِ ما يحيَا هو بالآب.