Follow by Email

mercredi 27 avril 2016

من الرّسالة إلى ديوغنيتس (Diognetes) (رقم 5- 6: Funk 397- 401) المسيحيون في العالم



    لا الوطنُ، ولا اللغةُ، ولا نمَطُ الحياةِ يميِّزُ المسيحيِّين عن سائرِ النَّاس. فهُم لا يَقطُنون مدنًا خاصَّةً بهم، ولا يتفرّدون بلهجةٍ غيرِ مألوفةٍ بينَ النَّاس، ولا يسيرون سيرةً خارجةً عن المعتاد. وليسَتْ تعاليمُهم ناجمةً عن أفكارٍ أو عن اهتماماتِ عقولٍ حائرة، ولا يستندون مثلَ البعضِ على فلسفاتٍ بشريَّةٍ. 
    يَسكُنون المدنَ اليونانيَّةَ ومُدُنَ البَربَر، وفقًا لنصيبِ كلٍّ منهم، وعاداتُهم في الملبسِ والمأكلِ، ونَمَطِ الحياة مِثلُ عاداتِ جميعِ النَّاس. ولكنَّهم يقدِّمون مثالَ حياةٍ عجيبةٍ يصعُبُ تصديقُها، والجميعُ يشهدُ بذلك. يقيمُ كلُّ واحدٍ منهم في وطنِه، وكأنّه غريبٌ وضيفٌ. كلُّ شيءٍ لهم مشترَكٌ معَ سائرِ المواطنين، ولكنَّهم يتحمَّلون كلَّ شيءٍ كأنّهم عابرُو سبيل. كلُّ أرضٍ غريبةٍ هي وطنٌ لهم، وكلُّ وطنٍ هو لهم أَرضٌ غريبة. يتزوَّجون كسائرِ الناسِ، ويَلِدُون الأولادَ، ولكنّهم لا يخذِلون مواليدَهم. موائدُهم مشترَكَةٌ، لا مضاجعُهم.
    إنّهم في الجسد، ولكنّهم لا يعيشون بحسبِ الجسد. يقيمون في الأرضِ، ولكنّهم يعتبرون السَّماءَ مدينتَهم الباقية. يمتثلون الشَّرائعَ المسنونة، إلا أنّ نمطَ حياتِهم أسمى من الشَّرائع. يُحَبُّون الجميع، والجميعُ يضطهدُهم. يجهلُهم الجميعُ ولهذا يحكمون عليهم، ويُسْلِمونهم إلى الموتِ فيربحون الحياةَ. إِنّهم فقراء، ولكنّهم يُغْنُون الكثيرِين. يفتقرون إلى كلِّ شيء، وكلُّ شيءٍ فائضٌ لديهم. يحتقرُهم النَّاس، وباحتقارِ النَّاسِ لهم يتمجَّدون. يَثلِبون سُمعتَهم، وفي الوقتِ نفسِه يَشهَدُ النَّاسُ لبِرِّهم. يُشتَمون فيبارِكون. يُهانُون فيقابلون الإهانةَ بالإكرام. يعملون الخيرَ ويعاقَبون كمَن يُسِيئون. يُعاقَبون فيَفرحون وكأنّهم يولَدون للحياة. يُقاتلُهم اليهودُ كأنّهم غرباء، والوثنيون يضطهدونهم. وإنْ سألْتَ مُبغضِيهم عن السَّببِ، فلا يعلمون.
    وبالإيجاز البسيط، المسيحيون في العالمِ هم مِثلُ النَّفسِ في الجسد. النَّفسُ منتشرةٌ في كلِّ أعضاءِ الجسدِ . والمسيحيّون منتشرون في مدُنِ العالم. النَّفسُ تقيمُ في الجسد، ولكنّها ليسَتْ من الجسد. والمسيحيّون يقيمون في العالم، ولكنّهم ليسوا من العالم. النَّفسُ غيرُ المنظورةِ تقيمُ في الجسدِ المنظور. كذلك ترى المسيحيّين مقيمين في العالم، وأمَّا تقواهم فلا تراها. الجسدُ يَكرَهُ النَّفسَ ويعادِيها، وإن لم ينَلْه منها أذى، لأنّها تحولُ دونَ إغراقِه في الملذّات. وكذلك يَكرَهُ العالَمُ المسيحيّين، وإنْ لم ينَلْه منهم أيُّ سوء، لأنّهم يتصدَّوْن لمَا فيه من شهَواتٍ فاسدة.
    النَّفسُ تحبُّ الجسدَ وأعضاءَه، وإنْ كرِهَها هو. كذلك يحبُّ المسيحيّون مُبغضِيهم. النَّفسُ سجينةٌ في الجسد، ولكنّها هي التي تَسَعُ الجسد. كذلك يوجدُ المسيحيّون في العالم وكأنّهم في سجن، ولكنّهم هم الذين يَسَعُون العالم. النَّفسُ الخالدةُ تقيمُ في خِباءٍ فانٍ. كذلك يقيمُ المسيحيّون في هذا العالم الفاني، منتظرين السَّماءَ التي لا تَفنَى. إنْ وَجدَتْ النَّفسُ شدَّةً من حيث الأكلُ والشُّربُ، نمَتْ واشتدَّتْ. كذلك المسيحيّون إذا تعرَّضوا للعذابِ، فإنّهم يَنمُون ويزدادون عددًا. لقد أنزلَهم اللهُ منزلةً رفيعة، فلا يجوزُ لهم أن يتخَلَّوْا عنها.