Follow by Email

jeudi 7 avril 2016

من مؤلفات القدّيس جاودانسيوس (Gaudentius) الأسقف (مجلد 2: CSEL 68، 30- 32) مواهب العهد الجديد



    إنّ الذَّبيحةَ السَّماويَّةَ التي وضعَها السيِّدُ المسيحُ هي هبةُ العهدِ الجديدِ المتوارَثَةُ جيلًا بعدَ جِيلٍ، وقد تركَها لنا، في الليلةِ التي أُسلِمَ فيها ليُصلَبَ، عُربُونًا لحضورِه بينَنا.
    هي زادُنا على الطَّريق، بها نتغذَّى ونتشدَّدُ على دروبِ الحياةِ، إلى أن نصلَ إليه بعدَ خروجِنا من هذا الدَّهر. ولهذا كانَ الرَّبُّ نفسُه يقول: "إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي، فلن تكونَ فيكم الحياة" (ر. يوحنا 6: 53).
    أرادَ أن تَبقَى نِعَمُه معنا. أرادَ أن تُـَقَّدَس بصورةٍ مستمرَّةٍ، بمثالِ آلامِه، النُّفوسُ التي فَدَاها بدمِه الثَّمين. لهذا أوصى تلاميذَه الأُمَناءَ، وقد جعلَهم أوّلَ كهنةٍ لكنيستِه، أن يقدِّموا للهِ من غيرِ انقطاعٍ أسرارَ الحياةِ الأبديّةِ، التي يجبُ أن يَحتفِلَ بها جميعُ الكهنةِ في كلِّ كنيسةٍ من كنائسِ العالم، إلى أن يأتِيَ الرَّبُّ من السَّماواتِ من جديد. وفي هذه الذَّبيحة، يُبقِي الكهنةُ أنفسُهم، وجميعُ المؤمنين، كلَّ يومٍ تحتَ أنظارِهم مثالَ آلامِ المسيح، ويَأخذونها بين أيديهم، ويتناولونها بفمِهم ويحفظونها في قلبِهم: هكذا يُبقُون ذكرى فدائِنا حيّةً لا تُمحَى.
    ولأنَّ الخبزَ يتكوَّنُ من حبَّاتٍ عديدةٍ من الحنطةِ المطحونةِ والمحوَّلةِ بالماءِ إلى عجين، والمكمّلةِ بالنَّار، فهو صورةٌ حقيقيةٌ لجسدِ المسيح: فنحن نعلَمُ أنّ المسيحَ صنعَ من شعوبِ الجنسِ البشريِّ كلِّها جسدًا واحدًا كمّلَه بنارِ الرُّوحِ القُدُس.
    وهو نفسُه وُلِدَ من الرُّوحِ القُدُس. وبما أنَّه كانَ يجبُ عليه أن يُتِمَّ كلَّ بِرٍّ، دخلَ في مياهِ المعموديّةِ ليُقدِّسَها، ثم خرجَ من الأردنّ ممتلئًا من الرُّوحِ القُدُسِ الذي حلَّ عليه بصورةِ حمامة، بحسبِ ما جاءَ في الإنجيلِ المقدَّس: "وَرَجَعَ يَسُوعُ مِن الأردُنِّ وَهُوَ مُمتَلِئٌ مِن الرُّوحِ القُدُسِ" (لوقا 4: 1).    
    وكذلك الخمرةُ التي تتحوَّلُ إلى الدَّم، فإنّها تجُمَعُ من عناقيدَ كثيرةٍ من الكرمةِ التي غرسَها الرَّبُّ، ثم تُعصَرُ في مَعصرةِ الصَّليبِ، وتختمِرُ بقوّتِها الذَّاتيّةِ في آنيةٍ رَحْبةٍ هي قلوبُ المؤمنين الذين قَبِلُوها بورعٍ وإيمان.
    تأمّلوا في ذبيحةِ الفصحِ الخلاصيِّ هذه، بعدَ أن نجَوْنا جميعًا من سلطانِ العبوديّةِ في مصر ومن طُغيَانِ الفرعون، تأمّلوا فيها بقلبٍ مؤمنٍ مملوءٍ  بالشَّوق، فتتقدَّسَ أحشاؤنا الباطنة، بربِّنا يسوعَ المسيحِ الذي نؤمنُ بأنَّه حاضرٌ في أسرارِه الخلاصيّة، والتي تدومُ قدرتُها الفائقةُ كلَّ ثمنٍ، إلى دهرِ الدُّهور.