Follow by Email

mardi 31 mai 2016

من مواعظ القديس بِيدَا المكرَّم الكاهن (الكتاب 1، 4: CCL 122، 25- 26 و30) مريم تعظِّمُ الرَّبَّ الذي صنع فيها عظائم



"تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفسِي، وَتَبتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لوقا ١: ٤٦). تُشيدُ أوّلًا بالمواهبِ الخاصَّةِ التي منحَها إيّاها الله. ثم تُعدِّدُ النِّعَمَ العامّةَ التي لا يكُفُّ الله عن منحِها للجنسِ البشريِّ.
تعظِّمُ النَّفسُ الربَّ عندما يكرِّسُ الإنسانُ كلَّ وِجدانِه ليسبِّحَ اللهَ ويخدُمَه، وحينَ يبيِّنُ بمحافظتِه على الوصايا أنَّه يتأمَّلُ دائمًا في قدرتِه وجلالِه.
تبتهجُ الرُّوحُ في اللهِ خلاصِها، عندما تبتهجُ بذِكرِ خالقِها الذي منه رجاءُ الخلاصِ الأبديِّ. 
تنطبقُ هذه الكلماتُ بحقٍّ على جميعِ الرِّجالِ الكاملِين، وبصورةٍ خاصّةٍ على مريمَ العذراء. فكانَ من الجديرِ أن تتلفَّظَ بها، لأنّ اللهَ ميَّزَها فأضرمَها بحبٍّ خاصٍّ له في روحِها، وقد ابتهجَتْ بحملِه في جسدِها.
استحقَّتْ أن تبتهجَ بيسوعَ مخلِّصِها بصورةٍ خاصّةٍ وأكثرَ من سائرِ القدِّيسين، لأنَّ الذي عرفَتْه مبدِعًا للخلاصِ الأبديِّ، عرفَتْ أيضًا أنَّه هو نفسُه الذي سوف تلِدُه بالجسدِ في الزَّمنِ، وأنَّه سيكونُ حقًّا في شخصٍ واحدٍ ابنَها وربَّها.
"لأنَّهُ صَنَعَ إلَيَّ أمُورًا عَظِيمَة، قُدُّوسٌ اسمُهُ" (لوقا ١: ٤٩). فهي لا تَنسِبُ شيئًا إلى استحقاقاتِها بل تُرجِعُ كلَّ عظمتِها إلى إحساناتِه، هو القديرُ العظيمُ في ذاتِه، والذي اعتادَ أن يحوِّلَ مؤمنِيه الصِّغارَ والضُّعفاءَ إلى أناسٍ عظماءَ وأقوياء.
ثم أضافَتْ: "وَاسمُه قُدُّوسٌ"، لِتُنبِّهَ السَّامعين، بل وجميعَ الذين سيبلُغُ إليهم كلامُها، ولِتُحُثَّهم على الإيمانِ وعلى الإسراعِ إلى الاستغاثةِ باسمِه، فيَقدِرون هم أيضًا أن يكونوا مشارِكين في القداسةِ الأبديّةِ وفي الخلاصِ الحقيقيِّ، بحسبِ قولِ النَّبيِّ: "كُلُّ مَن يَدعُو بِاسمِ الرَّبِّ يَخلُصُ" (يوئيل ٣: ٥). هو الاسمُ نفسُه الذي قالَتْ فيه: "تَبتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي".
وإنّه لحسنٌ وخلاصيٌّ أنْ نشأَتْ عادةٌ فاحَ عِطرُها في الكنيسةِ المقدَّسة، وهي أن يُرَتَّلَ هذا النَّشيدُ كلَّ يومٍ في صلاةِ التَّسبيحِ المسائيّةِ، فيُضرِمُ في نفوسِ المؤمنين مشاعرَهم وحبَّهم بذكرى سرِّ تجسُّدِ الرَّبِّ، ويثبِّتُهم في الفضيلةِ الرَّاسخةِ إذ يستذكرون باستمرارٍ مثالَ والدةِ الإله. ومن المناسبِ أن يكونَ ذلك في صلاةِ المساء، لأنَّ نفسَنا المُتعَبةَ خلالَ النَّهارِ والمشتَّتةَ بينَ الأفكارٍ العديدة، إذا ما بلغَتْ وقتَ الرَّاحةِ خلَتْ إلى ذاتِها للتَّأمُّلِ ومحاسبةِ نفسِها.