Follow by Email

mercredi 25 mai 2016

من كتاب الاعترافات للقديس أغسطينس الأسقف (الكتاب 10، 26 و37- 29، 40: CSEL 33، 255- 256) وضعتُ رجائي فيك، يا ربّ


أين وجدْتُكَ فعرَفْتُك؟ قبلَ أن أعرِفَكَ لم تكُنْ في ذاكرتي. ولكن أين وجدْتُكَ فعرَفْتُكَ؟ وجدْتُكَ في ذاتِكَ من فوقي. لا مكانَ يفصلُ بينَنا وبينَك. سَواءٌ أذهَبْنا إليكَ أم ذَهَبْنا عنكَ فلا مكانَ يفصلُ بينَنا. أنتَ الحقّ، وفي كلِّ مكانٍ تقيمُ تَعلُو فوقَ كُلِّ مَن يستشيرونك. وفي الوقتِ نفسِه تُجِيبُ كلَّ من يستشيرونك في شتّى الأمور.
رَدُّكَ عليهم واضحٌ وجلِيٌّ. ولكنْ ليسَ الجميعُ يَسمعُونه واضحًا وجَلِيًّا. يستشيرونك في ما يريدون، ولكنَّهم لا يَسمعون دائمًا ما يريدون. ليس الخادمُ الجيّدُ لديكَ من كانَ همُّه سماعَ ما يريد هو، بل مَن كانَ هُّمه أن يريدَ ما يَسمعُه منك.
لقد أحببْتُكَ متأخِّرًا، أيُّها الجمالُ القديُم الحديث. أجل، متأخِّرًا أحببْتُكَ. أنت كنْتَ في داخلي، وأنا كنْتُ خارجًا عن نفسي! وفي الخارجِ بحثْتُ عنكَ طويلًا. وفي خطيئتي ذهبْتُ أبحثُ عن الجمالِ في الخلائقِ التي كوَّنْتَها أنتَ. كنْتَ معي وأنا لم أكنْ معك. استوقفَتْني بعيدًا تلك ْالخلائقُ التي لولا أنَّك أوجدْتَها لما وُجِدَت. دعوْتَني وصرخْتَ بي، فانتصرَ صوتُك على صَمَمي. وسطعَ نورُك فبدَّدَ عماي. وفاحَ عطرُ أريجِكَ فتنشَّقْتُه، وانجَذَبْتُ إليك. تذوَّقْتُكَ فجُعْتُ وعطِشْتُ إليك. لمسْتَني فاتَّقَدْتُ شوقًا إلى سلامِكَ.
حينَ أتَّحدُ بك بكلِّ ذاتي، لا يبقى أمامي ألمٌ ولا عَناء. وحياتي تكون بكَ حيَّةً ومملؤةً بكَ. إذا ملأْتَني خفَّ حِملي. وأنا الآن ثقيلٌ على ذاتي لأنَّك لَسْتَ مالِئي. أفراحي التي يجبُ أن أبكِيَها تصارعُ أحزاني التي بجبُ أن أغتبطَ بها، فلِمَن يكونُ النَّصر، لا أعلم.
يا ويلاه! ارحمْني، يا ربّ. الآلامُ النَّاجمةُ عن شُروري تُصارِعُ الأفراحَ النَّاجمةَ عن صلاحي. لِمَن يكونُ النَّصرُ، لا أعلَم. الويلُ لي. ارحمْني يا ربّ. إني لا أكتُمُ جراحي: أنتَ الطَّبيبُ وأنا المريض. أنتَ الرَّحيمٌ وأنا المحتاجُ إلى الرَّحمة.
أوَليسَتْ محنةً وتجربةً حياةُ الإنسانِ على الأرض؟ (ر. أيوب ٧: ١). من يَبغي المشاكلَ والصِّعاب؟ أنت تأمرُ الإنسانَ أن يتحمَّلَها لا أن يُحِبَّها. لا أحدَ يحبُّ ما يتحمَّلُ ولو رَضِيَ أن يتحمَّلَ. الإنسانُ وإن رضيَ أن يتحمَّلَ فهو يفضِّلُ ألَّا يكونَ وألَّا يبقى ما يتحمَّل. في أيَّامِ الضِّيقِ والعُسرِ أطلُبُ الفرجَ والتَّوفيق، وفي أيامِ الفرجِ والتَّوفيقِ أخشى أن يَغشاني العُسرُ والضِّيق. هل من حالٍ وسَطٍ بينَ هاتَيْن الحالتَيْن لا تكونُ حياةُ الإنسانِ فيها معرَّضةً للمِحَن؟ الويلُ للسَّعادةِ واليُسرِ في هذا الدَّهر. الويلُ لهما أوّلًا وثانيًا، فهما دائمًا عُرضةٌ للخوفِ من أيّامِ الضِّيقِ والعُسر، ومن الفناءِ المهدِّدِ كلَّ المسرّات. الويلُ لأيَّامِ العُسرِ والشِّدَّةِ في هذا الدَّهر، الويلُ لها أوّلًا وثانيًا وثالثًا. الويلُ لها من التحرُّقِ وشهوةِ الحظِّ واليُسر، ولأنَّ أيامَ العُسرِ نفسَها قاسية، ولأنّها تُغرِقُ الإنسانَ في مُوحِلٍ من الهموم. أليسَتْ حياةُ الإنسانِ على الأرضِ مع هذا محنةً وتجربةً مستمرّة؟ (ر. أيوب ٧: ١).
أمّا أنا فإنّي لم أضَعْ رجائي إلا في رحمتِكَ، يا ربّ.