Follow by Email

vendredi 27 mai 2016

من الكتاب في الأخلاق للقديس غريغرويوس الكبير البابا في سفر أيوب (الكتاب 10، 47- 48: PL 75 ، 946- 947) شاهد الرُّوح


  "من أصبَحَ أضحُوكَةً لأصدِقَائه مثلي، دعا الله فاستجابَ له" (ر. أيوب ١٢: ٤). قد يحصلُ أحيانًا أنَّ النَّفسَ الضَّعيفةَ التي يَفتِنُها مديحُ النّاس لأعمالِها الصّالحة، تنحرفُ إلى هذه المسرَّةِ الخارجيَّة، فتَنسَى ما كانَت تَسعَى إليه في داخلِ ذاتِها، وتستقرُّ بطِيبةِ خاطرٍ في هذه المتعةِ التي تأتيها من الخارجِ. فهي تفرَحُ ليس لأنَّها صالحةٌ وفاضلة، بل لأنَّه يقالُ لها إنَّها كذلك. وإذ تستنيمُ لهذه الأصواتِ، فإنَّها تترُكُ ما شرعَتْ فيه، ومن ثمَّ تبتعدُ عن الله، مع أنّ الظَّاهرَ هو أنَّ المديحَ الذي يَبلُغُها هو بسببِ تفانِيها في سبيلِ الله.

  ويحصلُ أحيانًا أيضًا أنَّ النَّفسَ التي تجتهدُ في عملِ الصّالحاتِ تتعرَّضُ لازدراءِ النَّاس. تعملُ الصّالحاتِ وتتلقَّى الإهانات. مديحُ الناسِ يعرِّضُها للخروجِ خارجَ ذاتِها، وأمّا الإهاناتُ فإنَّها تردُّها إلى داخلِها. ويكونُ ثباتُها في الله راسخًا بقدرِ ما لا تجدُ في الخارجِ لها مَراحًا أو مُستقَرًّا. ولهذا فهي تضَعُ كلَّ رجائِها في خالِقِها، فإذا أحاطتْ بها الإهاناتُ، تَضرَّعَتْ إلى مَن هو وحدَه شاهدٌ في داخلِها. النَّفسُ المتألِّمةُ تقترِبُ من الله بقدرِ ما تصيرُ بعيدةً عن إعجابِ النَّاس. وتَفيضُ بالصَّلاة، وتصيرُ تحتَ وطأةِ الضُّغوطِ الخارجيَّةِ أكثرَ نقاوةً وأهليّةً، لتَنفَذَ إلى ما هو في الدَّاخل.

  فبحقٍّ قال: "من أصبَحَ أضحُوكَةً لأصدِقَائه مثلي، دعا الله فاستجابَ له" (ر. أيوب ١٢: ٤). لأنَّ الأشرارَ يلومون مواقفَ الصّالحين، ولا يرَوْن في أعمالهِم أيّةَ شهادةٍ لهم. أمّا الصَّالحُ المبتَلَى فإذا لجأَ إلى الصَّلاةِ، فإنَّ الله يستجيبُ له في داخلِ ذاتِه، بقدرِ ما هو مُبتعِدٌ في الخارج عن مديحِ النَّاس.

  ولْنلاحظْ أهميةَ هذه العبارةِ "مِثْلِي". لأنَّ هناك من يُصيبُه اليأسُ بسببِ سُخريةِ النَّاسِ، ولا يستجيبُ الله له. وفي الواقع إذا سَخِرَ النّاسُ منه لخطيئةٍ فيه، فهو لا يَجني من الاضطهادِ أيَّ فضلٍ أو استحقاق.

  " البارُّ أضحوكةٌ للنَّاس" (ر. أيوب ١٢: ٤)، لأنَّ حكمةَ هذا العالمِ تقومُ باللجوءِ إلى مختلِفِ الحِيَلِ لإخفاءِ ما في القلب، فيُستخدَمُ الكلامُ لإخفاءِ ما في الفكر، ولإظهارِ الباطلِ حقًّا والحقِّ باطلا.

  وأمّا حكمةُ الأبرارِ فلا تتظاهرُ ولا تُمَوِّهُ. بل تستخدمُ الكلامَ لتبيِّنَ ما في الفكر. فتحِبُّ الحقَّ كما هو، وتتجنَّبُ الباطل، وتُقدِّمُ مجَّانًا ما هو صالح، وتصبِرُ على الإساءةِ ولا تفعلُها، ولا تطلُبُ الانتقامَ من أيّةِ إهانة، وتعتبرُ السُّخريةَ التي تتحمَّلُها في سبيلِ الحقِّ ربحًا. إلا أنَّ بساطةَ الأبرارِ هذه هي موضوعُ سخرية. لأنَّ حكماءَ هذا العالمِ يَعُدُّونَ فضيلةَ البراءةِ غَباوة. وكلُّ موقفٍ فيه براءةٌ يَعُدُّونه حماقة. وكلُّ عملٍ يمتدحُه الحقُّ تَعُدُّه الحكمةُ البشريّةُ جَهالة.