Follow by Email

jeudi 12 mai 2016

من كتاب التفسير للقديس كيرلس أسقف الإسكندرية في إنجيل القديس يوحنا (الكتاب 10:PG 74، 434) إن لم أمضِ لم يأتِكم الرُّوحُ البَرَقليط


    لقد تمَّمَ يسوعُ كلَّ ما كانَ عليه أن يُتمِّمَه في الأرض. ووجَبَ الآن أن نكونَ شركاءَ كامِلين في طبيعةِ الكلمةِ الإلهيّةِ، فنترُكَ حياتَنا ونتحوَّلَ إلى حياةٍ أخرى ونستقرَّ في سيرةٍ جديدةٍ أمامَ الله. ولا يمكنُ أن يَتِمَّ  فينا هذا إلا من خلالِ الوحدةِ والشَّرِكةِ مع الرُّوحِ القُدُس.
    وكانَ الزَّمنُ المناسبُ لإرسالِ الرُّوحِ القُدُس، ولحلولِه فينا، هو الزَّمنَ الذي فيه غادرَنا المسيحُ مخلِّصُنا عائدًا إلى الآب.
    لمَّا كانَ المسيحُ بجسدِه مع المؤمنين، كانوا، في رأيي، يرَوْن فيه الواهبَ لكلِّ الخيرات. ولمَّا لزِمَ وحانَ وقتُ صعودِه إلى الآبِ، وَجَبَ أن يكونَ حاضرًا بينَ المؤمنين بالرُّوحِ القُدُس، فيسكنَ بالإيمانِ في قلوبِنا، وإذ يُقيمُ فينا نهتفُ معه واثِقين: "أبَّا، أيُّها الآب"، ونسارعُ بسهولةٍ إلى كلِّ فضيلة، ونكونُ به أقوياءَ لا ننهزِمُ ولا نقعُ في شِراكِ الشَّيطانِ ولا أمامَ إهاناتِ النَّاس، لأنَّ الرُّوحَ الكلِّيَّ القدرةِ حاضرٌ فينا.
    أمّا أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُحَوِّلُ الذين حلَّ عليهم وأقامَ فيهم إلى طبيعةٍ أخرى، ويُثبِّتُهم في حياةٍ جديدة، فمن السَّهلِ أن نبيِّنَ ذلك بشهاداتٍ من العهدَيْن القديمِ والجديد.
    قالَ النَّبيُّ صمويل لشاوُل: "يَنقَضُّ عَلَيكَ رُوحُ الرَّبِّ وَتَصِيرُ رَجُلًا آخَرَ" ( 1 صمويل 10: 6). وقالَ القدّيسُ بولسُ الرَّسول: "وَنَحنُ جَمِيعًا نَعكِسُ صُورَةَ مَجدِ الرَّبِّ بِوُجُوهٍ مَكشُوفَةٍ كَمَا فِي مِرآةٍ، فَنَتَحوَّلُ إلَى تِلكَ الصُّورَةِ، وَنَزدَادُ مَجدًا عَلَى مَجدٍ، وَهَذَا مِن فَضلِ الرَّبِّ الَّذِي هُوَ رُوحٌ" (2 قورنتس 3: 17- 18).
    أتَرى كيف أنَّ الرُّوحَ يحوِّلُ مَن يقيمُ فيهم إلى صورةٍ أخرى؟ فإنَّه يحوِّلُ المؤمنَ بسهولةٍ من رؤيةِ الأمورِ الأرضيّةِ إلى الاهتمامِ بالأمورِ السَّماويّةِ فقط، ومَن كانَ ضعيفًا جبانًا منحَه الجرأةَ والإقدام. لا شكَّ أنَّ مثلَ هذا التَّحوُّلَ حدثَ في الرُّسُل. فقد أيَّدَهم الرُّوحُ فلم ينهزموا  أمامَ ضرَبَاتِ المضطهِدين، بل ازدادوا بحبِّهم أمانةً للمسيح.
    حقٌّ إذاً ما قالَه المخلِّصُ: "إنَّه خيرٌ لكم أن أعودَ إلى السَّماءِ"  (ر. يوحنا 16: 7)، لأنّه حانَ وقتُ حلولِ الرُّوحِ القُدُس.