Follow by Email

samedi 7 mai 2016

من كتابات القديس أغسطينس الأسقف في إنجيل القديس يوحنا (المجلد 124، 5، 7: CCL 36، 685- 686) الحياة الأرضية والأبدية


    تعرفُ الكنيسةُ نوعَيْن من الحياةِ، علَّمَها إيّاهما اللهُ وأوصاها بهما: الأولى حياةُ الإيمان، والثَّانيةُ حياةُ المشاهدة. الأولى حياةُ غُربةٍ في الزَّمن، والثَّانيةُ حياةُ بقاءٍ في الأبديَّةِ. الأولى في الشَّقاء، والثَّانيةُ في الرَّاحة. الأولى على الطَّريق، والثَّانيةُ في الوطن. الأولى في ممارسةِ الأعمالِ الصَّالحة، والثَّانيةُ حياةُ الثَّوابِ في المشاهدة.
    الأولى تَكلَّمَ عليها بطرسُ الرَّسول، والثَّانيةُ يوحنا الرَّسول. الأولى تنقضي كلُّها هنا حتى نهايةِ العالم، وتبلغُ نهايتَها في الأبديَّةِ. والثَّانيةُ تجدُ تتمَّتَها وكمالَها بعدَ نهايةِ هذا العالم، ولكنْ لا نهايةَ لها في الحياةِ الأبديَّةِ. ولهذا قالَ لبطرس: "اتبَعْنِي" (يوحنا 21: 9). وأمّا عن يوحنا فقال: "لَو شِئْتُ أن يَبقَى إلَى أن آتِيَ، فَمَا لَكَ وَذَلكَ؟ أمَّا أنتَ فَاتبَعْنِي"  (يوحنا 21: 22).  
    "اتبَعْني" أي اقتدِ بي وتحمَّلْ شرورَ هذا العالم. أمّا هو فيبقى إلى أن آتيَ لأمنحَ الخيراتِ الأبديَّةَ. والمعنى الواضحُ لذلك هو: أنَّ العملَ قد تحدَّدَتْ صورتُه وبلغَ كمالَه، ويقومُ باتِّباعي والتمثُّلِ بآلامي. وأمّا المشاهدةُ (مشاهدةُ الله) فما زالَتْ في بدايتِها، وستَبقَى إلى أن آتِيَ لأبلِّغَها كمالَها حينَ آتي.
    اتِّباعُ المسيحِ هنا حتى الموت، هذا هو كمالُ الصَّبرِ والتَّقوى. والبقاءُ هو الثَّباتُ إلى أن يأتِيَ المسيحُ ويَكشِفَ هناك كمالَ المعرفة. هنا يتحمَّلُ المؤمنُ شرورَ هذا العالمِ في أرضِ الأموات، وهُناكَ يُشاهِدُ خيراتِ الرَّبِّ في أرضِ الأحياء.
    قولُه: "لَو شِئْتُ أن يَبقَى إلَى أن آتِيَ" يجبُ ألا يُفهَمَ كأنّه قال: "يبقَى أو يمكُثُ هنا"، بل معنى قولِه هو الانتظارُ. لأنّ ما قصدَه لا يتحقَّقُ الآن، بل عندما يأتي المسيح. وأما ما قصَدَه بقولِه "اتبعني" فهو يأمُرُ بعملٍ يتحقَّقُ الآن، وإنْ لم يتحقَّقِ الآن فلن يَبلُغَ ما يُنتظَرُ من الخيرات. 
    ولا يفصِلْ أحدٌ بينَ هذَيْن الرَّسولَيْن العظيمَيْن. في ما كانَ يرمُزُ يسوعُ إليه بكلامِه لبطرُس، كلاهما كانا مجتمعَيْن. وفي ما قصدَه بقولِه ليوحنا، كلاهما سيكونان مجتمعَيْن. من حيثُ اللفظُ والمعنى: الواحدُ يتبع، والثَّاني يبقى. وأمّا من حيثُ الإيمانُ، فكلاهما كانَ عليهما أن يتحمّلا شرورَ هذا العالم، وكلاهما كانَ عليهما أن ينتظرا خيراتِ السَّعادةِ الأبديَّة.
    وليس هما وحدَهما يعملان بهذا، بل الكنيسةُ الجامعة، عروسُ المسيحُ، تعملُ بهذا أيضًا: هي أيضًا يجبُ أن تنجُوَ من التَّجاربِ الحاضرة، وتحفظَ نفسَها للسَّعادةِ الأبديَّةِ. بطرسُ وبولسُ هما معًا رمزٌ وصورةٌ لنوعَيْ الحياة. كلُّ واحدٍ لواحدٍ منها. كلاهما سارا في هذه الحياةِ بالإيمان. وكلاهما سيَنعَمان في الأبديّةِ بالمشاهدة.
    بما أن جميعَ القدّيِسين هم أعضاءٌ غيرُ منفصلةٍ في جسدِ المسيحِ، من أجلِهم جميعًا تسلَّمَ بطرسُ، هامةُ الرسلِ، مفاتيحَ ملكوتِ السَّماواتِ لربطِ الخطايا وحلِّها وليُديرَ دِفَّةَ الكنيسةِ في هذه الحياةِ المضطربة. ومن أجلِهم جميعًا أيضًا، ليعرفوا صفاءَ حياةِ الربِّ الحميمة، مالَ يوحنا الإنجيليُّ إلى صدرِ يسوعَ.
    فليس بطرسُ وحدَه يربطُ الخطايا ويحلُّها، بل الكنيسةُ الجامعة.  ولا يوحنا شربَ وحدَه من مَعينِ صدرِ الربِّ. فقد بيَّنَ في إنجيلِه أنّه في البدءِ كانَ الكلمة، والكلمةُ كانَ لدى الله، إلى كلِّ ما قالَه عن ألوهيَّةِ المسيح، وألوهيَّةِ الثَّالوثِ الأقدسِ والوحدةِ الجوهريَّةِ فيه. هذه الحقائقُ سنشاهدُها في الملكوتِ وجهًا لوجه. أمّا الآنَ، فإلى أن يأتِيَ الرَّبُّ، فإنَّنا ننظُرُ إليها كفي مرآةٍ وكألغاز. وهو الرَّبُّ نفسُه الذي ينشُرُ إنجيلَه في الكونِ كلِّه، ليَنهَلَ منه الجميعُ كلُّ واحدٍ بحسبِ قدرتِه.