Follow by Email

lundi 9 mai 2016

من تعاليم القديس كيرلس الأورشليمي الأسقف (تعليم 16، في الروح القدس، 1، 11- 12 و16: PG 33، 931- 935 و939- 942) الماء الحي المتدفق من الروح القدس



    "المَاءُ الَّذِي أُعطِيهِ إيَّاهُ يَصِيرُ فِيهِ عَينَ مَاءٍ يَتَفَجَّرُ حَيَاةً أبَدِيَّةً" (يوحنا 4: 14). هو نوعٌ جديدٌ من الماءِ الذي يتدفَّقُ ويُحيِي. يتدفَّقُ في من يستحقّونه. ولماذا دعا نعمةَ الرُّوحِ بلفظةِ الماء؟ لأنَّ جميعَ الأشياءِ تأخذُ من الماءِ كيانَها. ولأنَّ الماءَ يُحيِي النَّباتَ والحيوان، ولأنَّه يَهطُلُ من مطرِ السَّماء. ينحدرُ الماءُ بشكلٍ واحدٍ وبصورةٍ واحدة، ولكنَّه يُنتِجُ أشكالا كثيرةً متنوِّعة: ماءٌ يُروِي النَّخِيل، وماءٌ يُروِي الكرمة. فهو كلُّ شيءٍ في كلِّ شيء. طبيعتُه واحدةٌ في حدِّ ذاتِها، ولا يمكنُ أن يكونَ غيرَ ما هو عليه. المطرُ هو هو لا يتبدَّلُ ولا يتغيَّرُ حينَ يَنهَمِرُ، فلا يَنـزِلُ تارةً بشكلٍ وطورًا بشكلٍ آخر، ولكنَّه يتكيَّفُ بحسبِ العناصرِ التي تستقبِلُه، فيصنعُ في جميعِها ما يلائمُها.
    كذلك الرُّوحُ القُدُس، فهو واحدٌ بسيطٌ لا يتجزّأ، ويوزِّعُ النِّعمةَ على كلِّ واحدٍ كما يشاء. وكما أنَّ الشَّجرَ الجافَّ، إذا ارتوى بالماء، أزهَرَ، كذلك النَّفسُ الخاطِئَةُ، إذا مُنِحَتْ بالتَّوبةِ موهبةَ الرُّوحِ القُدُس، أنبتَتْ براعمَ البِرّ. ومع كونِه واحدًا وله صورةٌ واحدة، إلا أنّه يمنحُ، بإرادةِ الله وباسمِ المسيحِ، فضائلَ كثيرةً.
    يُعطي الواحدَ لسانًا ليَنطِقَ بالحكمة، ويُنيرُ ذهنَ الآخرِ للنُّبوءَة، ويمنحُ غيرَه سلطانًا لطردِ الشَّياطين، ويَهَبُ غيرَه موهبةَ تفسيرِ الكتبِ الإلهيَّةِ. وآخَرُ يثبِّتُه في القناعة، أو يعلِّمُه كلَّ ما يتّصلُ بالرَّحمة، أو يعلِّمُه الصَّومَ وممارسةَ حياةِ الزُّهد، أو احتقارَ شؤونِ الجسد، أو يُعِدُّه للاستشهاد. فله في كلِّ واحدٍ عملٌ مختلف. ولكنَّه لا يكونُ أبدًا مختلفًا عن ذاتِه. جاءَ في الكتابِ المقدَّس: "كُلُّ وَاحِدٍ يَتَلَقَّى مَا يُظهِرُ الرُّوحَ لأجلِ الخَيرِ العَامّ" (1 قورنتس 12: 7).. 
    مجيئُه حليمٌ لطيف، وحضورُه عَذْبٌ عَطِرٌ، ونِيرُه ليِّنٌ خفيف. يَسبِقُ مجيئَه قَبَسٌ من نورٍ وأشعةٌ من العِلْم. يأتي بحنانِ الأخِ والحامي: لأنّه يأتي ليخلِّصَ ويَشفِيَ، وليعلِّمَ ويحذِّرَ، وليقوِّيَ ويعزِّيَ، ولينيرَ عقلَ من يتقبَّلُه أوّلاً، وبوساطتِه عقولَ الآخَرين.
    إنَّ المقِيمَ في الظَّلام، إذا أشرقَتِ الشَّمسُ فجأةً واستقبلَ نورَها في عينَيْه، رأى بوضوحٍ ما لم يكُنْ يراه من قبلُ: كذلك الذي وُجِدَ مستحقًّا لقبولِ الرُّوحِ القُدُس، إذا استضاءَتْ نفسُه رُفِعَ فوقَ طاقةِ الإنسانِ، ورأى أمورًا لم يكُنْ يعرفُها من قبلُ.