Follow by Email

mercredi 4 mai 2016

من مواعظ القديس لاون الكبير البابا ( العظة الأولى في الصعود، 2- 4:PL 54، 395- 396) الأيام بين قيامة الرب وصعوده


    لم تَبقَ فارغةً، أيُّها الأحبّاء، تلك الأيَّامُ التي انقضَتْ بينَ قيامةِ الرّبِّ وصعودِه. بل ثُبِّتَتْ فيها أسرارٌ كبيرة، وكُشِفَتْ فيها حقائقُ كثيرة.
    فيها زالَ الخوفُ من الموتِ القاسي، وعرَفْنا ليسَ فقط خلودَ النَّفسِ بل والجسدِ أيضًا. فيها أُرسِلَ بفَيضٍ من الربِّ الرُّوحُ القُدُسُ إلى جميعِ الرُّسل. وبعدَ تسليمِ مفاتيحِ الملكوت، عُهِدَ إلى القدِّيسِ بطرسَ الرَّسولِ من دونِ غيرِه في رعايةِ خرافِ الرَّبِّ.
    في هذه الأيّام، انضمَّ الربُّ رفيقَ دربٍ ثالثٍ إلى التِّلميذَيْن السَّائرَيْن إلى عمّاوس. وَلِيُبدِّدَ كلَّ ظلامِ شكوكِنا، أخذَ يؤنِّبُ قلَّةَ الإيمان في هذَيْن الخائفَيْن والمرتعدَيْن. فأنارَتْ شُعلَةُ الإيمانِ قلبَيْهِما. كانا فاترَيْن، ثم أخذَا يزدادان اضطرامًا كلَّما فسَّرَ لهما الرَّبُّ الكتُبَ. وعندَ كسرِ الخبزِ انفتحَتْ أعينُ هذَيْن الرَّفيقَيْن. ولمّا انفتحَتْ أعينُهما وظهرَ لهما الربُّ في مجدِ طبيعتِه البشريَّةِ، فرِحَا، فكان نصيبُهما أفضلَ من أبِينا الأوَلِ، أبي جنسِنا البشريِّ، الذي غَشِيَه العارُ بسببِ مَعصيَتِه.
    ففي كلِّ هذه المدّة، أيها الأحبّاء، التي انقضَتْ بينَ القيامةِ والصُّعود، هذا ما اهتمَّتْ به عنايةُ الله، هذا ما علَّمَتْه، هذا ما أظهرَتْه لعيونِهم وقلوبِهم: ليُعرَفَ يسوعُ المسيحُ حقًّا: أنَّه قامَ من بينِ الأمواتِ، وأنَّه وُلِدَ حقًّا وتألَّمَ وماتَ.
    ولهذا فإنَّ الرُّسلَ الطُّوباويِّين وجميعَ التَّلاميذِ الذين ارتعبوا من مصيرِ الصَّليبِ وشكُّوا في القيامة، قوَّى الرَّبُّ إيمانَهم بالحقيقةِ السَّاطعة. ولذلك، لمّا صعدَ الربُّ إلى أعالي السَّماوات، ليس فقط لم يحزنوا بل امتلأُوا فرحًا عظيمًا.
    وفي الحقيقةِ كانَ مصدرَ فرحٍ عظيمٍ لا يمكنُ وصفُه، مشهدُ الطَّبيعةِ البشريّةِ، وقد أُعطِيَتْ أمامَ جماعةِ الرُّسُلِ المقدَّسةِ كرامةً تفوقُ الكائناتِ السَّماويَّةِ: علَتْ فوقَ رُتَبِ الملائكة، وارتفعَتْ فوقَ رؤساءِ الملائكة، ولم تنَلْ أسمى المخلوقاتِ ما نالَتْ من الرِّفعة. وبرِضَى الآبِ الأزليِّ شاركَتْه على عرشِ مجدِه، لأنَّها كانَتْ متَّحدةً به في الابن.