Follow by Email

vendredi 13 mai 2016

من كتاب القديس هيلاريوس الأسقف في الثالوث الأقدس (الكتاب 2،1، 33 و35:PL 10، 50-51 و73- 75) هبة الآب في المسيح



    أمرَنا الربُّ بأن نعمِّدَ باسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس، أي بأن نعترفَ باللهِ الخالقِ وابنِه الوحيدِ، والرُّوحِ هبتِه لنا.
    واحدٌ هو الله خالقُ الكلّ. واحدٌ هو اللهُ الآبُ الذي منه كلُّ شيء. واحدٌ هو الابنُ الوحيدُ ربُّنا يسوعُ المسيح، الذي به كان كلُّ شيء. واحدٌ هو الرُّوحُ القُدُسُ، هبةُ اللهِ في الكلّ.
    فكلُّ شيءٍ مُرتَّبٌ بحسبِ قِواه واستحقاقاتِه: القدرةُ واحدةٌ ومنها كلُّ شيء، والابنُ واحدٌ، وبه كلُّ شيء، والهبةُ واحدةٌ وهي مصدرُ كلِّ رجاء. ولا يمكنُ أن يَنقُصَ شيءٌ في كلّ هذا الكمالِ في الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس: فاللانهايةُ الأبديَّةُ في الآب الأزليّ، والمشاهدةُ في صورةِ الابن، والحياةُ في هبةِ الله أي الرُّوحِ القُدُس.
    وما هو دَورُنا في هذا كلِّه؟ لِنَسمَعْ ما قال يسوع: "لا يَزَالُ عِندِي أشيَاءٌ كَثِيرَةٌ أقُولُهَا لَكُم، وَلَكِنَّكُم لا تُطِيقُون الآنَ حَمْلَهَا. خَيرٌ لَكُم أن أذهَبَ. فَإذَا ذَهَبْتُ أرسَلْتُ إلَيكُم المؤَيِّدَ" (ر. يوحنا 16: 12 و7).
    وقالَ أيضًا: "وَأنَا سَأسألُ الآبَ، فَيَهَبُ لَكُم مُؤَيِّدًا آخَرَ، يَكُونُ مَعَكُم لِلأبَدِ، رُوحَ الَحقِّ. هُوَ يُرشِدُكُم إلَى الحَقِّ كُلِّهِ، لأنَّهُ لَن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِهِ بَل يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسمَعُ وَيُخبِرُكُم بِمَا سَيَحدُثُ. سَيُمَجِّدُنِي لأنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لِي" (يوحنا 14: 15 -17؛ 16: 13- 14). 
    قِيلَتْ هذه الآياتُ لتفهموا منها أمورًا كثيرة: إرادةَ الواهب، وسببَ الهبةِ وطبيعتَها. فإنّنا في ضعفِنا لا نقدرُ أن نفهمَ لا الآبَ ولا الابنَ. فيأتي الرُّوحُ القُدُسُ لينيرَ إيمانَنا، وبوساطتِه نُدرِكُ سرَّ تجسُّدِ اللهِ الذي يصعُبُ فهمُه.
    يُقبَلُ الرُّوحُ من أجلِ المعرفة. إنَّ الطَّبيعةَ البشريّةَ إذا زالَتْ عنها أسبابُ الحياة، بقِيَتْ من غيرِ عمل. إن لم يكُنْ نورٌ أو نهار، لا تقدرُ العينُ أن تعملَ شيئًا. وإن لم يكُنْ هناك صوتٌ أو كلامٌ فلا عملَ للأُذن. وكذلك الأنفُ، إن لم تَفُحْ رائحةٌ فلا عملَ له. وليس الاعتلالُ أو النَّقصُ في الطَّبيعة، بل في ظروفِ الاستخدام. وكذلك روحُ الإنسانِ، إن لم ينَلْ بالإيمانِ هبةَ الرُّوح، قد تكونُ فيه المقدرةُ  لفهمِ الله، ولكن سينقُصُه نورُ المعرفةِ الذي يفعِّلُ تلك المقدرةَ فيه.
    وهذه الهبةُ التي تُعطَى في يسوعَ المسيح واحدةٌ للجميع. وهي دائمًا موجودةٌ لا تنقُصُ ولا تَغِيبُ. ولكنّها تُعطَى فقط بمقدارِ ما يأخُذُ الآخِذُ. وتبقَى في نفسِه بمقدارِ ما يريدُ لها البقاءَ. إنّها معَنا حتى نهايةِ العالم، وهي عَزاؤُنا وقوّتُنا في فترةِ انتظارِنا. وهي عُربونُ الهباتِ التي نترجّاها في المستقبَلِ. هي نورُ العقول، وبهاءُ النُّفوس.