Follow by Email

dimanche 22 mai 2016

من رسائل القديس أثناسيوس الأسقف (الرسالة الأولى إلى سيرابيون، 28-30: PG 26، 594-595 و599) النُّور والمجد والنِّعمة من الثّالوث القدُّوس


من المهمِّ أن نبحثَ في التَّقاليدِ القديمة، وفي تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ وإيمانِها، أي في الإيمانِ الذي سلَّمَنا إيّاه يسوعُ المسيح، ووعظَ به الرُّسُل وحفِظَه الآباء، وعليه تأسَّسَتْ الكنيسة. فإذا حادَ عنها أحدٌ فلا يَقدِرُ أن يكونَ ولا أن يُسَمَّى مسيحيًّا بصورةٍ من الصُّور.
هناك إذًا ثالوثٌ قدُّوسٌ وكاملٌ، هذا ما نعترفُ به في الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس، ولا شيءَ فيه غريب أو مَزِيجٌ من الخارجِ أُضِيفَ إليه. ولا هو مُركَّبٌ من خالقٍ ومخلوق. بل قدرةُ الخلقِ وقدرةُ العملِ فيه كاملة، شبيهٌ لذاتِه، واحدٌ غيرُ منقسم، فيه العملُ ومبدأُ العملِ واحدٌ. لأنَّ الآبَ يعملُ كلَّ شيءٍ بالكلمةِ في الرُّوحِ القُدُس، هكذا تَثبُتُ وحدةُ الثّالوث. فالكنيسةُ إذًا تَعِظُ بإلَهٍ واحدٍ فوقَ كلِّ شيءٍ يعمَلُ بالكلِّ وفي الكلِّ (ر. أفسس ٤: ٦). هو "فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، لأنَّهُ الآبُ فَهُوَ المبدَأُ وَالمصدَرُ". ويعملُ "بالكلِّ" أي بالكلمة " وفي الكلِّ" أي في الرُّوحِ القُدُس.
عندَما يكتُبُ القِدّيسُ بولس في رسالتِه إلى أهلِ قورنتس في الأمورِ الرّوحيّةِ، فإنَّه يعِيدُ كلَّ شيءٍ إلى الإلهِ الآبِ الواحدِ مبدأً واحدًا لكلِّ شيءٍ، وذلك حيث يقول: "إنَّ الموَاهِبَ عَلَى أنوَاعٍ، وأمَّا الرُّوحُ فَوَاحِدٌ، وَإنَّ الخَدَمَاتِ عَلَى أنوَاعٍ أمَّا الرُّوحُ فَوَاحِدٌ، وَإنَّ الأعمَالَ عَلَى أنوَاعٍ وَأمَّا الله الَّذِي يَعمَلُ كُلَّ شَيءٍ فِي جَمِيعِ النَّاسِ فَوَاحِدٌ" (١ قورنتس ١٢: ٤-٦). 
وما يَهَبُه الرُّوحُ لكلِّ واحدٍ يَهَبُهُ الآبُ بالكلمة. لأنَّ كلَّ ما للآبِ فهو للابنِ، أي كلُّ ما يُعطِيه الابنُ في الرُّوح هو حقًّا هبةٌ من الآبِ. وكذلك إن كانَ الرُّوحُ فينا فالكلمةُ الذي منه قَبِلْنا الرُّوحَ أيضًا فينا، وفي الكلمةِ الآبُ أيضًا فينا، ولهذا قال: "نَأتِي إلَيهِ أنَا والآبُ فَنَجعَلُ عِندَهُ مُقَامَنَا" (ر. يوحنا ١٤: ٢٣). حيث النُّورُ هناك بهاؤه وشعاعُه أيضًا، وهناك فِعلُه ونعمتُه السَّاطعة. 
هذا ما يعلِّمُه القدّيس بولس أيضًا في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ قورنتس حيث يقول: "لِتَكُنْ نِعمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ المسِيحِ وَمَحَبِّةُ الله وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم جَمِيعًا" (٢ قورنتس ١٣: ١٣). فالنِّعمةُ والموهبةُ التي تُوهَبُ في الثّالوث إنّما يَهَبُها الآبُ بالابنِ في الرُّوح القُدُس. لأنّه كما أنَّ النعمةَ يَهَبُها الآبُ بالابن، كذلك لا تَصِلُ إلينا الهبةُ إلا في الرُّوحِ القُدُس. فإذا ما أصبَحْنا شركاءَ فيه، نِلْنَا محبَّةَ الآبِ ونعمةَ الابنِ وشركةَ الرُّوح.