Follow by Email

lundi 23 mai 2016

من الكتاب في الأخلاق للقديس غريغرويوس الكبير البابا في سفر أيوب (الكتاب 3: 15- 16؛ PL75: 606- 608) أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر؟


لمّا كانَ القدِّيسُ بولسُ يتأمَّلُ في غنى الحكمةِ الإلهيّةِ في داخلِه، ويَرى من جهةٍ أخرى أنَّه في الخارجِ جسدٌ فانٍ، قال: إنَّنا "نَحْمِلُ هَذَا الكَنْزَ في آنِيَةٍ مِن خَزَفٍ" (٢ قورنتس ٤: ٧). وفي أيوبَ البارِّ أُصِيبَ الإناءُ الخارجيُّ بالقروحِ، بينما بقيَ الكنزُ في الدَّاخلِ سالمًا. انكسرَ الإناءُ في الخارجِ بسببِ القروح، وأمَّا في الدَّاخلِ فقد ظلَّ كنزُ الحكمةِ دائمَ التجدُّدِ، وقد ظهرَ من خلالِ كلماتٍ تَفِيضُ بالمعرفةِ الإلهيّة، قال: "أنَقبَلُ الخَيرَ مِنَ الله ولا نَقبَلُ مِنهُ الشَّرَّ؟". الخيرُ هو نِعَمُ الله الأبديّةُ أو الزَّمنيّة. والشَّرُّ هو المصائبُ الحاضرة، والتي يقولُ فيها الكتاب: "أنَا الرَّبُّ، وَلَيسَ مِن رَبٍّ آخَرَ. أنَا مُبدِعُ النُّورِ وَخَالِقُ الظَّلامِ، وَصَانِعُ السّلامِ وَخَالِقُ الشَّقَاءِ" (ر. أشعيا ٤٥: ٥ و٧).
     قال: "أنَا مُبدِعُ النُّورِ وَخَالِقُ الظَّلامِ": بالمصائبِ والآلامِ في الخارِج تُخلَقُ الظُّلُماتُ. وبالتَّعليمِ الإلهيِّ يُضِيءُ نورُ الذِّهنِ في الداخل. وقالَ أيضًا: "وَصَانِعُ السَّلامِ وَخَالِقُ الشَّقَاءِ": أعني أنَّ السَّلامَ مع الله يعودُ إلينا من خلالِ الشَّقاءِ والمصيبة. لقد خلقَ الله كلَّ شيءٍ حسنًا، وأمَّا رَغَباتُنا فليسَتْ دائمًا حسنة، ولهذا تتحوَّلُ الخليقةُ الحسنةُ إلى مصيبةٍ ومصدرِ شرٍّ لنا. بالخطيئةِ نجعلُ من أنفسِنا مخاصِمين لله: فمن الحقِّ أن نعودَ إلى السَّلامِ معه عن طريقِ المصائب. وهكذا كلُّ خليقةٍ حَسَنةٍ حين تتحوَّلُ إلى مصدرِ ألمٍ لنا، يؤدَّبُ بها ذهنُنا ويعودُ بتواضعٍ من خلالِهاِ إلى السَّلامِ مع الخالق. 
    ولكنْ ما يجبُ أن نراه في كلماتِ أيوبَ هذه، هي الحكمةُ التي أظهرَها في ردِّه على تحريضِ زوجتِه، حينَ قال: "أنَقبَلُ الخَيرَ مِنَ الله ولا نَقبَلُ مِنهُ الشَّرَّ؟" وفي الواقعِ يمكنُنا أن نجدَ عزاءً كبيرًا في المصيبةِ، إذا استذكرْنا، في أثناءِ الألمِ، نِعَمَ الخالقِ علينا. فلا يَقوَى الألمُ إذّاك على حَطْمِنا، إذا ما أسرعَ الذِّهنُ فاستذكرَ ما من شأنِه أن يُنعِشَ الرُّوحَ. ولهذا جاءَ في الكتابِ المقدَّسِ أيضًا: "في يَومِ الخَيرَاتِ تُنسَى البَلايَا، وَفي يَومِ البَلايَا لا تُذكَرُ الخَيرَاتُ" (بن سيراخ ١١: ٢٥). 
    من تلقَّى النِّعمَ، ولم يَحسَبْ أيَّ حسابٍ للمصيبة وهو في حالِ اليُسر، قد يقعُ في الكبرياء بمفعول اليُسرِ المتمتِّعِ به. ومَن حلَّتْ به النَّكَباتُ، ولم يعرفْ أن يجدَ العزاءَ في استذكارِ النِّعمِ التي نالَها قبلَ ذلك، فإنَّه يدمِّرُ نفسَه باليأسِ الذي يستحوِذُ على ذهنِه.
    فلا بدَّ إذًا من الجمعِ بينَ الأمرَيْن، فيخفِّفَ الواحدُ من وطأةِ الآخر: ذِكرُ النِّعمِ يخفِّفُ من وطأةِ المصيبة، وترقُّبُّ المصيبةِ واتّخاذُ الحِيطةِ يحُدُّ من نشوةِ النِّعم. ولهذا استذكرَ أيوبُ البارَّ وهو رازحٌ تحتَ وطأةِ الضَّرَباتِ النِّعَمَ السَّابقةَ ليخفِّفَ بها الوطأةَ عن نفسِه المعنَّاة، فقال: "أنَقبَلُ الخَيرَ مِنَ الله ولا نَقبَلُ مِنهُ الشَّرَّ؟"