Follow by Email

dimanche 1 mai 2016

من كتاب التفسير للقديس كيرلس أسقف الإسكندرية في الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس (فصل 5،5 - 6، 2: PG 74 ، 942-943) صالحنا الله في المسيح وأعطانا خدمة المصالحة


    الذين حصلوا على عُربُونِ الرُّوح، وكانَ فيهم رجاءُ القيامة، يعتبرون الشَّيءَ الموعودَ وكأنَّه حاضِرٌ، ويقولون إنَّهم لا يعرفون شيئًا معرفةً جسديَّةً: فكلُّنا روحيّون، وغرباءُ عن فسادِ الجسد. لمّا أضاءَ لنا الابنُ الوحيد، تحوَّلْنا وصِرْنا واحدًا في الكلمةِ الذي يُحيِي كلَّ شيء. وكما كنَّا مقيَّدِين بقيودِ الموتِ تحتَ سلطانِ الخطيئة، لمّا جاءَ المسيحُ بالنَّعمةِ والبِرِّ طرَحْنا عنا كلَّ فساد.

    فلا أحدَ بعدُ باقٍ في الجسد، أي في حالةِ الضَّعفِ التي هي من طبيعةِ الجسد، التي تَعني فيما تَعنِيه قابليّةَ الجسدِ للفسادِ. ويُضيفُ الرَّسولُ قائلا: "إذَا كُنّا قَد عَرَفْنَا المَسِيحَ يَومًا مَعرِفَةً بَشَرِيَّةً، فَلَسْنَا نَعرِفُهُ الآنَ هَذِهِ المَعرِفَةَ" (٢ قورنتس ٥: ١٦). وكأنَّهُ يريدُ أن يقول: "وَالكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا فَسَكَنَ بَينَنَا" (يوحنا ١: ١٤)، ومن أجلِ حياتِنا جميعًا تحمَّلَ الموتَ بحسبِ الجسد. هكذا عرَفْناه. ولكنّنا لا نعرفُه بعدُ هذه المعرفة. لأنّه مع بقائِه في الجسد، فقد عادَ إلى الحياةِ في اليومِ الثَّالث، وهو الآنَ لدى الآبِ في السَّماء. ومن ثمّ نُدرِكُ أنَّه فوقَ حكمِ الجسد: ماتَ مرّةً واحدة، "وَلَن يَمُوتَ بعدَ ذَلِكَ، وَلَن يَكُونَ لِلمَوْتَ عَلَيهِ مِن سُلطَانٍ: لأنَّهُ بِمَوتِهِ قَد مَاتَ عَن الخَطِيئَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي حَيَاتِهِ يَحيَا لله" (روما ٦: ٨-٩).

    فإن كانَتْ هذه هي حالُ من جعلَ نفسَه مصدرَ حياةٍ لنا، يجبُ علينا نحن أيضًا أن نقتفيَ آثارَه، فنعتبرَ أنفسَنا لا في حكمِ الجسدِ بل فوقَ حكمِ الجسد. ولهذا قال بولسُ الإلهيُّ بحقّ: "فَإذَا كَانَ أحَدٌ فِي المَسِيحِ، فَإنَّهُ خَلقٌ جَدِيدٌ. قَد زَالَتِ الأشيَاءُ القَدِيمَةُ، وَهَا قَد جَاءتْ أشيَاءٌ جَدِيدَةٌ" (٢ قورنتس ٥: ١٧). برَّرَنا الإيمانُ بالمسيح، فرُفِعَتِ اللعنةُ عنّا. لمّا عادَ إلى الحياةِ من أجلِنا وداسَ سلطانَ الموت، عرَفْنا اللهَ الحقيقيَّ بحسبِ طبيعتِه، وله نقدِّمُ العبادةَ بالرُّوحِ والحقِّ بوساطةِ الابنِ الذي يمنحُ العالمَ النِّعمَ والبركاتِ السَّماويةَ من عندِ الآب. 

    وفي هذا قالَ بولسُ الإلهيُّ بحكمةٍ سامية: "وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ اللهِ الَّذِي صَالَحَنَا بِالمَسِيحِ" (٢ قورنتس ٥: ١٨). وفي الواقعِ لم يتِمَّ سرُّ التجسُّدِ والتَّجديدِ الذي نَجَمَ عنه إلا بإرادةِ الآب. مع العلمِ أنَنا بالمسيحِ أصبَحْنا قادرِين أن نصلَ إلى الآب. لأنَّه هو قال: لا أحدَ يأتي إلى الآبِ إلا به. إذًا كانَ هذا كلُّه فعلاً "مِنَ اللهِ الَّذِي صَالَحَنَا بِالمَسِيح، وَأعطَانَا خِدمَةَ المُصَالَحَةِ" (٢ قورنتس ٥: ١٨).