Follow by Email

vendredi 20 mai 2016

من كتاب التفسير للقديس غريغوريوس أسقف أغريجنتا في سفر الجامعة (الكتاب ٨: ٦؛ PG ٩٨: ١٠٧١- ١٠٧٤) لتبتهج نفسي بالله مخلصي


    "اذهَبْ وَكُلْ خُبزَكَ بِفَرَحٍ، وَاشرَبْ خَمرَكَ بِقَلبٍ مَسرُورٍ، لأنَّ اللهَ رَضِيَ عَن أعمَالِكَ" (جامعة ٩: ٧). إنْ أرَدْنا أن نفسِّرَ هذا الكلامَ تفسِيرًا واضحًا وبسيطًا يمكنُنا أن نقولَ بكلِّ تأكيدٍ إنّه إرشادٌ حكيمٌ، يدعونا به الجامعةُ إلى بساطةِ العيشِ، وإلى إيمانٍ صادقٍ بالله، فنأكلُ خبزَنا بفرح، ونشربُ خمرَنا بقلبٍ سليم، لكي لا نسقطَ في سوءِ الكلام، ولا نقعَ في أيّةِ خطيئة. بل يسمُو فكرُنا إلى ما هو فاضلٌ ومستقيم، ونَعملُ بقدرِ المستطاعِ على مساعدةِ المحتاجين بأعمالِ الرَّحمةِ والمحبّة. بهؤلاء يبتهجُ قلبُ الله، بالذين يفكِّرون في الخيرِ ويعملونه.
    إلا أنَّ التَّفسيرَ الرُّوحيَّ يرتقي بأفكارِنا إلى ما هو أسمى، فيدعونا إلى التَّفكيرِ في الخبزِ السَّماويِّ والسِّرِّي، الذي نزلَ من السَّماء، ومنحَ الحياةَ للعالم. وكذلك الخمرُ الرُّوحيَّةُ التي نشربُها بقلبٍ سليم: هي تلك التي خرجَتْ من جنبِ الكرمةِ الحقيقيَّة، في يومِ الآلامِ الخلاصيّة. فيها قالَ إنجيلُ خلاصِنا: "أخذَ يسوعُ خبزًا وباركَه، وقالَ لتلاميذِه القدّيسين ورسلِه: خذوا فكلوا، هذا هو جسدي الذي يُكسرُ لأجلِكم لمغفرةِ الخطايا. وكذلك الكأسُ وقال: اشربوا منها كلُّكم. هذا هو دمي، دمُ العهدِ الجديد الذي يُراقُ عنكم وعن الكثيرين لمغفرةِ الخطايا" (ر. متى ٢٦: ٢٦- ٢٨). فالذين يأكلون هذا الخبزَ ويشربون هذه الخمرةَ السِّرِّيةَ يمتلئون ابتهاجًا وسرورًا، ويقدرون أن يهتفوا قائلين: "جَعَلْتَ، يَا رَبُّ، فِي قَلبِي سُرُورًا" (مزمور ٤: ٧).
    وأنا أرى أنَّ حكمةَ الله القائمةَ بذاتِها، أي يسوعَ المسيحَ مخلِّصَنا، أشارَ إلى هذا الخبزِ وهذه الخمرةِ في سفرِ الأمثال، حيث جاء: "هَلُمُّوا كُلُوا مِن خُبزِي وَاشرَبُوا مِنَ الخَمرِ الَّتِي مَزَجْتُ" (أمثال ٩: ٥). وقد أشارَ بهذا الكلامِ إلى المشاركةِ السِّرِّيةِ مع الكلمة. والذين مُنِحُوا هذه الكرامةَ يجبُ ألا تكونَ ثيابُهم، أي أعمالُ النُّورِ فيهم، أقلَّ بياضًا من النُّورِ السَّاطع. كما قالَ الربُّ في الإنجيلِ المقدَّس: "هَكَذَا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاسِ لِيَرَوْا أعمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ فَيُمَجِّدُوا أبَاكُمُ الَّذِي في السَّمَاوَاتِ" (متى ٥: ١٦). بل ويَفيضُ الزَّيتُ أيضًا دائمًا على رأسِهم، أي روحُ الحقِّ الذي يَحمي ويُنَقِّي من كلِّ وصمةِ خطيئة.