Follow by Email

mercredi 18 mai 2016

من كتاب التفسير للقديس هيرونيمُس الكاهن في سفر الجامعة (PL ٢٣, ١٠٥٧-١٠٥٩) اطلبوا الأمورَ التي في العُلَى


"إنَّ كُلَّ إنسَانٍ رَزَقَهُ الله غِنًى وَأموَالًا، وَأبَاحَهُ أن يَأكُلَ مِنهَا، وَيَأخُذَ نَصِيبَهُ وَيَفرَحَ بِتَعَبِهِ، إنَّمَا ذَلِكَ عَطِيَّةٌ مِنَ الله. حِينَئِذٍ لا يُكثِرُ مِن ذِكرِ أيَّامِ حَيَاتِهِ، لأنَّ الله يَشْغَلُ قَلبَهُ بِالفَرَحِ" (جامعة ٥: ١٨ -١٩). يقولُ الجامعةُ إنَّ الذي يتمتَّعُ بما توفَّرَ بين يدَيْه من مال، لهو أفضلُ من الذي يجدُ غذاءَهُ في العَناء وظلامِ المتاعبِ والهموم في إدارةِ أموالِه، والذي يتملَّكُهُ مللٌ كبيرٌ حين يَصرِفُ همَّه إلى الفانيات. ذاك على الأقلِّ يجدُ متعةً ولو صغيرة. وأمّا هذا فلا يَجني سوى همٍّ كبير. ولهذا هي هبةٌ من الله أن يعرفَ الإنسانُ كيف يتمتَّعُ بمالِه (الحاضِر)، إذ إنّه لَنْ "يُكثِرَ مِن ذِكرِ أيَّامِ حَيَاتِهِ".
    إنَّ اللهَ يملأُ قلبَ هذا الإنسانِ بالفرحِ، فلن يَغشاه الحزنُ، ولن تنغِّصَه الأفكارُ والهموم، بل ينتشي بالفرحِ والمتعةِ المعطاةِ له. وعلى كلِّ حال، من الأفضلِ أن نفهمَ نحن أنَّ المقصودَ هو الغذاءُ الرُّوحيُّ والشَّرابُ الرُّوحيُّ الذي يمنحُه الله، فنرى الصَّلاحَ في كلِّ عَناءٍ نتحمَّلُه. لأنَّنا بالجَهدِ وبالعَناءِ الكبيرِ نستطيعُ أن نشاهدَ الصَّلاحَ الحقيقيَّ. هذا هو نصيبُنا، أن نجدَ السّرورَ في الجَهدِ والعَناء. وليس هذا السّرورُ كاملًا، ولن يكتمِلَ حتى "يَظهرَ المسيحُ حياتُنا" (ر.قولسي ٣: ٤).
    كُلُّ تَعَبِ الإِنسَانِ لِفَمِهِ، أَمَّا شَهِيَّتُهُ فَلا تَشبَعُ. مَا فَضلُ الحَكِيمِ عَلَى الجَاهِلِ، وَفَضلُ الفَقِيرِ الَّذِي يُحسِنُ السُّلوكَ أَمَامَ الأَحيَاءِ؟ كلُّ ما يَتعَبُ فيه الإنسانُ في هذا العالم، يستهلكُه الفم، وبعد أن تطحنَه الأضراس، يسيرُ إلى الجوف لِيَهضُمَهُ. وقد تتمتَّعُ به الحَنجرةُ قليلًا، ولا تدومُ اللذّةُ إلا بقدرِ ما تستوعبُ الحَنجرة. 
    وبعدَ هذا كلِّهِ لا تشبعُ نفسُ الآكلِ. وذلك لسببَيْن: إمَّا لأنَّ مَن أكَلَ يريدُ أن يأكلَ مرةً ثانيةً، فكلا الأحمقِ والعاقلِ يَعلَمان أنّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ من غيرِ طعام. والفقيرُ لا يطلبُ إلا أن يَسنُدَ بالطَّعامِ جسدَه الضّعيف، فلا يموتُ جوعًا. وإمَّا لأنَّ النَّفسَ لا تَجني أيَّ نفعٍ من غِذاءِ الجسد، فالطعامُ هو نفسُه للعاقلِ والأحمقِ على السّواء، والفقيرُ يبحثُ عنه حيث يمكنُه أن يجدَه.
    ومن الأفضلِ أن نطبِّقَ هذا الكلامَ على رَجُلِ الكنيسةِ المثقَّفِ في معرفةِ الكُتُبِ السَّماويَّة: "كلُّ عنائِه في فمِه ونفسُه لا تَشبَعُ"، أي إنَّه يريدُ دومًا أن يستزيدَ عِلمًا. وفي هذا، فإنَّ العاقلَ يتفوَّقُ على الأحمق. لأنَّه إذ يشعرُ بنفسِه فقيرًا (بمعنى الفقيرِ الذي طوَّبه الإنجيلُ)، فهو يُسرِعُ إلى تفهُّمِ شؤونِ الحياة، ويَسلُكُ الطَّريقَ الضيِّقَ والوَعرَ الذي يؤدِّي إلى الحياة. هو فقيرٌ من حيثُ الأعمالُ الشِّريرة، إلا أنَّه يعرفُ أين توجدُ الحياةُ أي المسيح.