Follow by Email

mardi 3 mai 2016

من كتاب ترتليانس (Tertullianus) الكاهن في الهراطقة (فصل 20، 1- 9؛ 21، 3؛ 22، 8- 10: CCL 1 ، 201- 204) الكرازة الرسولية



لمَّا كانَ يسوعُ المسيحُ ربُّنا على الأرضِ أظهرَ نفسَه وبيَّنَ من هو، وماذا كانَ من قبلُ، وما هي مشيئةُ الله التي جاءَ ليتمِّمَها، وماذا يريدُ أن يعملَ في سبيلِ الإنسان. بيِّنَ ذلك صراحةً، حينَ كانَ يعلِّمُ الجماهيرَ، أو بعضَ التلاميذِ على حِدَة، وقد اتَّخذَ منهم اثنَيْ عشَرَ لَزِموه بصورةٍ خاصّة، فأعدَّهم ليكونوا معلِّمين للشُّعوب. 
وبعدَ أن سقطَ واحدٌ منهم، أمرَ الأحَدَ عشَرَ ، قبلَ أن يَترُكَهم ليعودَ بعدَ القيامةِ إلى أبيه، أن يذهبوا ويعلِّموا الأُممَ، ويعمِّدوهم في الآبِ والابنِ والروحِ القدس.
واختار الرُّسُلُ بالقرعةِ متِّيَّا رسولًا ثانِيَ عشَرَ بدلَ يهوذا، بموجبِ النُّبوَّةِ التي في مزاميرِ داود. ثم قبِلوا قوَّةَ الروحِ القدسِ الذي وُعِدوا به ليَهَبَهم قوَّةً لصُنعِ الآياتِ وللكلام، فكرزوا أوّلًا في اليهوديّةِ، وثبَّتوا الإيمانَ فيها بيسوعَ المسيح وأسَّسوا الكنائس، ثم انتشروا في العالمِ وبشَّروا الشُّعوبَ بتعليمِ الإيمانِ نفسِه.
وأسَّسوا الكنائسَ في كلِّ مدينة، ومنها أخذَتْ كنائِسُ أخرى فَرْعَ الإيمانِ وبذارَ التَّعليم، وهي دائبةٌ على ذلكَ في كلِّ يومٍ لتصيرَ هي أيضًا كنائسَ. وتُعتَبَرُ هذه الكنائسُ نفسُها رسوليّةً لأنهّا تسلَّمَتِ الإيمانَ من كنائسَ رسوليّة.
كلُّ جنسٍ يحدَّدُ بالعودةِ إلى أصلِه. ولهذا فإنَّ الكنائسَ الكثيرةَ هي كنيسةٌ واحدةٌ، وهي كنيسةُ الرُّسُلِ الأولى، التي انبثقَتْ عنها جميعُ الكنائس. كلُّها إذًا أُولى وكلُّها رسوليّة، بما أنَّها كلَّها واحدةٌ. ويدُلُّ على وحدتِها شَرِكةُ السَّلامِ في ما بينَها، وأنَّ الجميعَ يُسَمُّون أنفسَهم إخوة، ويتبادلون الضِّيافة. ولا أساسَ لهذه الوحدةِ إلا لأنَّ جميعَ الكنائسِ تسلَّمَتِ السِّرَّ نفسَه.
وما وعظَ به الرُّسلُ، هو ما كشفَه لهم يسوعُ المسيح. ولا يمكنُ إقامةُ الدَّليلِ على ذلك إلا عن طريقِ الكنائسِ نفسِها، التي أسَّسَها الرُّسلُ أنفسُهم، وقد وعظوها إمَّا شَفاهًا وإمَّا بالرَّسائلِ التي وجَّهُوها إليها.
قالَ الرَّبُّ بوضوح:"لا يَزَالُ عِندِي أشيَاءٌ كَثِيرَةٌ أقُولُهَا لَكُم، وَلَكِنَّكُم لا تُطِيقُونَ الآنَ حَملَهَا" ثم أضاف: "فَمَتَى جَاءَ هُوَ، أي رُوحُ الحَقِّ، أرشَدَكُم إلَى الحَقِّ كُلِّهِ" (يوحنا 16: 12- 13). فقد أكَّدَ لهم أنَّهم لن يَجهَلوا شيئًا، بما أنَّه وعدَهم بأنَّهم سيَعرِفون الحقَّ كلَّه عندما يُرسِلُ إليهم روحَ الحقِّ. وقد تمَّمَ الوعد، بشهادةِ سفرِ أعمالِ الرُّسُلِ عن حلولِ الرُّوحِ القُدُس.