Follow by Email

vendredi 10 juin 2016

من كتاب التفسير للقديس أمبروزيوس الأسقف في المزامير (مزمور 1، 4 و7- 8: CSEL 64: 4- 7) كتاب المزامير العذب



    يَفيضُ الكتابُ المقدَّسُ كلُّه بنعمةِ الله، وبصورةٍ خاصّةٍ كتابُ المزاميرِ العذْبُ. بدأَ موسى فوصفَ تاريخَ الأجدادِ وأعمالَهم بأسلوبٍ بسيطٍ. ولكنْ لمّا عبَرَ البحرَ الأحمرَ مع الشَّعبِ، والآباءُ مُعجَبون، وشاهدَ الفرعونَ غارقًا مع جيوشِه، وقامَ بأعمالٍ تفوقُ قِواه، أخذَتْه النَّشوةُ فسَما بأسلوبِه وفكرِه، وأخذَ يُنشِدُ للرَّبِّ نشيدَ النَّصر. وكذلك مريمُ النّبيَّةُ لمّا أخذَتْ الدُفَّ بيدِها وشرَعَتْ تستحثُّ رفيقاتهِا بقولِها: "أنشِدُوا لِلرَّبِّ فَإنَّهُ تَعَظَّمَ تَعظِيمًا، الفَرَسُ وَرَاكِبُهُ في البَحرِ ألْقَاهُمَا" (خروج 15: 21).
    التَّاريخُ يعلِّمُ، والشَّريعةُ ترشِدُ، والنُّبُؤَةُ تبشِّرُ، والتَّأنيبُ يُؤَدِّبُ، والعملُ بالمعروفِ يُقنِعُ. وكتابُ المزاميرِ خلاصةٌ لكلِّ هذا، فهو مِثلُ علاجٍ يُعيدُ العافيةَ للإنسانِ. كلُّ مَن قرأَه وجدَ فيه علاجًا خاصًّا يُمكِنُه أن يُداوِيَ به جراحَ أهوائِه. ومَن أرادَ أن يُنظُرَ ويَرَى، سوف يَرَى فيه مثلَ مَيْدانٍ تجمَّعَت فيه النُّفوسُ، بل مسرحًا للفضائلِ وفيه أنواعُ المعارِكِ والجهادِ الرُّوحيّ: فلْيختَرْ لنفسِه الجهادَ الذي يناسبُه والذي يقدِرُ به أن ينالَ إكليلَ المجدِ بطريقةٍ أَيسَرَ. 
    وإذا أرادَ أحدٌ أن يستعرِضَ مآثرَ الأجدادِ وأن يقتديَ بهم، فإنّه يجدُ تاريخَ الآباءِ كلَّه مجموعًا في مزمورٍ واحد. وبقراءةٍ وجيزةٍ يوفِّرُ لنفسِه كنزًا حقيقيًّا من الذَّاكرةِ التاريخيَّة. وإذا أرادَ آخَرُ أن يَعرِفَ قوّةَ الشَّريعة، التي تكمُنُ كلُّها في المحبّة، كما قالَ الرَّسول إنَّ " المحبَّةَ هي كمالُ الشَّريعة" (روما 13: 10)، ليقرأْ في المزاميرِ كيف تَقَدَّمَ واحدٌ بمفردِه، وبأيَّةِ محبَّةٍ واجهَ المخاطرَ ليرُدَّ العارَ عن شعبِه. وسيَرَى فيه أنَّ مجدَ المحبّة لا يختلفُ عن  انتصارِ الفضيلةِ.
    وماذا أقولُ عن فضيلةِ النُّبُؤَةِ؟ ما بشَّرَ به آخَرون بالألغازِ نراه هنا وعدًا واضحًا وصريحًا يُعطَى لرجلٍ واحدٍ هو داودُ النَّبيّ: أنّه سيُولدُ الرَّبُّ يسوعُ من نسلِه، كما قالَ له الرَّبُّ: "مِن ثَمَرَةِ بَطنِكَ أُجلِسُ عَلَى العَرشِ الَّذِي لَكَ" (مزمور 131: 11). لم يتنبّأْ كتابُ المزاميرِ بميلادِ يسوع فقط، بل بأنّه سيَقبَلُ الآلامَ أيضًا، وهي سببُ خلاصِنا. وأّنّه يموتُ ويقومُ ويصعَدُ إلى السَّماء، ويَجلِسُ عن يمينِ الآب. ما لم  يحرُؤْ إنسانٌ على التلفُّظِ به، تنبَّأ به هذا النَّبيُّ وحدَه، وبشَّرَ به فيما بعدُ الرَّبُّ نفسُه في الإنجيل.