Follow by Email

samedi 11 juin 2016

من كتاب التفسير للقديس أمبروزيوس الأسقف في المزامير (مزمور 1، 9-12: CSEL 64 ، 7، 9-10) أُنشدُ بروحي وأُنشدُ بعقلي أيضًا


    أيُّ شيءٍ أعذبُ من مزمور؟ لهذا قالَ داودُ هذا القولَ الجميل: "سَبِّحُوا الرَّبَّ فَالعَزْفُ لإلَهِنَا يَطِيبُ، وَالتَّسبِيحُ لَهُ يَلَذُّ وَبِهِ يَلِيقُ" (مزمور ١٤٦: ١). حقًّا، المزمورُ هو بركةُ المؤمنين، وتسبيحُ الله، ونشيدُ الشَّعبِ وهتافُ الكلِّ. هو كلامُ الجميعِ، وصوتُ الكنيسةِ، واعترافٌ يُشيدُ بالإيمانِ، وعبادةٌ مُؤسَّسةٌ على سُلطةِ (كلمةِ الله). هو فرحُ الحرّيّةِ، هو هتافُ الابتهاجِ، وصوتُ التَّهليلِ. إنّه يُهدِّئُ الغضبَ، ويُزيلُ الهموم، ويخفِّفُ الأحزانَ. هو حمايةٌ في الليلِ، وتعليمٌ في النَّهارِ، وتُرسٌ في المخاوفِ. هو عيدٌ مع القداسة، ومصدرُ طمأنينةٍ وعُربونُ سلامٍ ووفاقٍ. وهو مِثلُ القيثارةِ التي تُخرِجُ لحنًا واحدًا من نغَماتٍ متنوِّعةٍ مختلفة. شروقُ النَّهارِ مزمور، وغروبُه مزمور. 
    في المزمورِ يجتمعُ الذَّوقُ والتَّعليم. فيه يلَذُّ الغناءُ ويَتِمُّ التَّهذيبُ. أيُّ شئٍ لا تجدُه عندَما تقرأُ المزامير؟ فيها أقرأُ نشيدَ الحَبيب (ر. مزمور ٤٤: ١)، فتتَّقدُ نفسي برغبةِ المحبّةِ المقدَّسة. فيها أشاهِدُ نِعَمَ الوحْيِ، وشَهاداتِ القيامة، ومواهبَ الوعد. فيها أتعلَّمُ تجنُّبَ الخطيئةِ ولا أخجلُ من التَّوبةِ عن الآثام.
    فالمزمورُ هو أداةٌ للفضائلِ، يُنطِقُها النَّبيُّ الجليلُ بقِيثارةِ الرُّوحِ القُدُس، فيملأُ الأرضَ بعُذوبةِ الأنغامِ السَّماوية.كانَ النَّبيُّ يُنَسِّقُ الأصواتَ المختلفةَ على أوتارِ الحربةِ والقيثارة – مع كونِها بواقيَ حَيَواناتٍ مَيْتةٍ - فيرفعُ إلى السَّماءِ نشيدَ التَّسبيحِ الإلهيِّ. وبذلك يعلِّمُنا أنَّه يجبُ أوّلًا أن نموتَ عن الخطيئة، وبعدَ ذلك فقط يمكنُ تنسيقُ مختلفِ أعمالِ الفضيلةِ التي مارَسْناها في الجسد، فيبلغُ نشيدُ عبادتِنا إلى الله.
    علَّمَنا داودُ إذًا أنّه يجبُ علينا أن نُنشِدَ وأن نُسبِّحَ في صميمِ قلبِنا، كما كانَ يُنشِدُ بولسُ أيضًا: "سَأُصَلِّي بِرُوحِي وَأصَلِّي بِعَقلِي أيضًا. أُنشِدُ بِرُوحِي وأُنشِدُ بِعَقلِي أيضًا" (١ قورنتس ١٤: ١٥). وقالَ أيضًا إنّه يجبُ عليْنا أن نوجِّهَ حياتَنا وأعمالَنا كلَّها إلى العُلى، فلا تُثيرُ لَذَّةُ عذوبةِ النَّغَمِ أهواءَ الجسدِ التي لا تَفدِي النَّفسَ بل تُقيِّدُها. ولذلك كانَ النَّبيُّ القدّيسُ يُنشِدُ المزاميرَ ليَفدِيَ نفسَه، فيقول: " عَلَى الكِنَّارَةِ أَعزِفُ لَكَ يَا قُدُّوسَ إسرَائيلَ. حِينَ أعزِفُ لَكَ تُهَلِّلُ لَكَ شَفَتَايَ، وَنَفسِي الَّتِي افْتَدَيْتَهَا" (مزمور ٧٠: ٢٢- ٢٣).