Follow by Email

mercredi 15 juin 2016

من كتابات القديس قبريانس الأسقف الشهيد في الصلاة الربية (رقم 13- 15 : CSEL 3،275- 278) ليأتِ ملكوتُكَ، لتكُنْ مشيئتُكَ



    نتابعُ صلاتَنا فنقول: " ليأتِ ملكوتُكَ". نطلبُ من الله أن يحقِّقَ ملكوتَه فينا، كما نطلبُ إليه أن يتقدَّسَ اسمُه فينا. لأنَّه متى لم يملِكْ الله؟ بل متى وأيُّ أمرٍ في اللهِ بدَأَ يومًا هو الكائنُ منذُ الأزلِ والذي لا يكِفَّ لحظةً عن الوجود؟ فنحن نطلبُ أن يتحقَّقَ مُلكُنا الذي وعدَنا به الله وَعْدًا مجدَّدًا، والذي نَطلُبُه بفضلِ آلامِ يسوعَ المسيح. كنَّا فيما قبلُ عبيدًا للعالم، والآن نُطلُبُ أن نملِكَ مع المسيحِ في مُلكِهِ، بحسبِ ما وعدَنا به هو نفسُه حينَ قال: "تَعَالَوْا يَا مَن بَارَكَهُم أبِي، فَرِثُوا المَلَكُوتَ المُعَدَّ لَكُم مُنذُ إنشَاءِ العَالَمِ" (متى 125: 34).
    ويُمكِنُنا أن نقولَ  إنَّ ملكوتُ الله هو المسيحُ نفسُه، وهو الذي نشتهي كلَّ يومٍ أن نراه، ونطلبُ أن نرى مجيئَه بسرعة. وبما أنَّه هو نفسُه القيامة، وفيه تكونُ قيامتُنا، كذلك يمكنُ أن نفهمَ أنَّه هو أيضًا ملكوتُ الله، وأنَّنا سنملِكُ فيه. حسنًا نفعلُ حينَ نطلبُ ملكوتَ الله أي الملكوتَ السَّماويَّ. لأنَّ هناك أيضًا ملكوتًا أرضيًّا. إلا أنًّ الذين زَهَدُوا بالعالمِ هم أكبرُ وأرفعُ من كراماتِ هذا العالمِ ومن ملكوتِه.
        ثم نُضِيفُ فنقول: "لتكُنْ مشيئتُك كما في السَّماءِ كذلك على الأرض". لا نطلبُ أن يصنعَ الله ما يشاءُ، بل أن نعملَ نحن ما يشاءُ الله منّا. لأنّه من يَقدِرُ أن يَمنَعَ الله عملَ ما يَشاء؟ وأمّا نحن ففي كلِّ شيءٍ يَمنَعنُا الشَّيطانُ من طاعةِ اللهِ في أفكارِنا وأعمالِنا. ولهذا نطلبُ ونسألُ أن تَتِمَّ مشيئةُ اللهِ فينا. وحتَّى تتمَّ فينا، نحن بحاجةٍ إلى مشيئةِ الله، أعني إلى حمايتِه القديرة، لأنَّه ليس أحدٌ قويًّا بقوّتهِ الذَّاتيَّة، إنّما يكونُ بأمانٍ برأفةِ الله ورحمتِه فقط. وأخيرًا إنَّ الرَّبَّ الذي اتّخذَ جسدَنا وعرفَ ضعفَنا، أظهرَ ما في الإنسانِ من ضعف، حينَ قال: "يا أبتِ، إن أمكَنَ الأمرُ فَلْتَبتَعِدْ عَنِّي هَذِهِ الكَأسُ"، ثم أعطى مثالًا لتلاميذِه حتى لا يَعمَلوا مشيئتَهم بل مشيئةَ الله، فقال: "وَلَكِن لا كَمَا أنَا أشَاءُ، بَل كَمَا أنتَ تَشَاءُ" (متى26 : 39).
    مشيئةُ الله هي ما علَّمَ وعَمِلَ به يسوعُ المسيح. هي التَّواضعُ في المسلَك، والثَّباتُ في الإيمان، والقناعةُ في الكلام، والعدلُ في ما نَسعَى إليه، والرَّحمةُ في كلِّ ما نَعمَلُ، والاستقامةُ في الأخلاق، والعملُ على تجنُّبِ الإساءة، والصَّبرُ عليها إذا وقعَتْ، والسَّلامُ مع الإخوة، ومحبَّةُ الرَّبِّ يسوعَ من كلِّ القلب، ومحبِّةُ الآبِ فيه، ومخافةُ الله، وألا نفضِّلَ شيئًا على المسيحِ لأنَّه هو نفسُه لم يفضِّلْ شيئًا علينا، والأمانةُ الدَّائمةُ لمحبّتِه، والوقوفُ عندَ الصَّليبِ بقوَّةٍ وثقة، وإذا لزمَ الجهادُ في سبيلِ اسمِه ومجدِه، إظهارُ الثَّباتِ والعزمِ في اعترافِنا به والشَّهادةِ له، وأمامَ العذابِ إظهارُ الثِّقةِ التي تَسنُدُنا، وأمامَ الموتِ التحلّي بالصَّبرِ الذي يُؤتِينا إكليلَ المجد: هذا هو معنى أن نكونَ ورثةً مع المسيح، وأن نحفظَ وصايا الله، وأن نعملَ بمشيئةِ اللهِ الآب.