Follow by Email

samedi 18 juin 2016

من كتابات القديس قبريانس الأسقف الشهيد في الصلاة الربية (رقم 28 - 30 : CSEL 3، 287- 289) لا نصلِّ فقط بالكلامِ بل بالعملِ أيضًا



    أيُّ عَجَبٍ، أيُّها الإخوةُ الأحبّاء، إن كانَ الله علَّمَنا مثلَ هذه الصَّلاة، ولخَّصَ بسلطانِه كلَّ صلواتِنا بهذا الكلامِ الخلاصيِّ الوجيز؟ سبقَ وقالَ ذلك على لسانِ أشعيا النَّبيِّ، حيَن تكلَّمَ، وهو ممتلئٌ بالرُّوحِ القُدُس، على جلالِ الله ورأفتِه، قال: إنَّ كلامَه كاملٌ، فيه كلُّ بِرٍّ. وفي الأرضِ كلِّها يُسمِعُ اللهُ كلامًا وجيزًا. فلمّا ظهرَ كلمةُ الله، ربُّنا يسوعُ المسيح لجميعِ النَّاسِ، وَجمعَ المتعلِّمين وغيرَ المتعلِّمين، وأعطى وصايا الخلاصِ لكلِّ جنسٍ وجِيل، لخَّصَها تلخيصًا عجيبًا، حتى لا يَتعَبَ من أرادَ أن يحفظَ العِلمَ السَّماويَّ بذاكرتِه، بل يتعلَّمَ بسرعةٍ ما هو ضروريٌّ للإيمانِ البسيط.
    وهكذا لمّا عَلَّمَ ما هي الحياةُ الأبديّةُ ضمَّنَ سرَّ الحياةِ في هذه الآيةِ الإلهيَّةِ السَّاميَةِ في إيجازِها، قال: "الحَيَاةُ الأبَدِيَّةُ هِيَ أن يَعرِفُوكَ أنتَ الإلَهَ الحَقَّ وَحدَكَ، وَيَعرِفُوا الَّذِي أرسَلْتَهُ يَسُوعَ المَسِيحَ" (يوحنا 17: 3). وكذلك لمّا تكلَّمَ على الوصيّةِ الأولى والكُبرى في الشَّريعةِ والأنبياء، قال: "اسمَعْ يَا إسرَائِيلُ، إنَّ الرَّبَّ إلهَنَا هٌوَ الرَّبُّ الأحَدُ. فَأَحبِبِ الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قلبِك وكلِّ نفسِك وكلِّ قوّتِك. هذه هي الوصيّةُ الأولى. والثّانيةُ تشبِهُها وهي: أحبِبْ قريبَك حبَّك لنفسِك. في هاتَيْن الوصيّتَيْن كمالُ الشَّريعةِ والأنبياء" (ر. مرقس 12: 29-31). وقالَ أيضًا: "كُلَّ مَا أرَدتُم أن يَفعَلَ النَّاسُ لَكُم، افعَلُوهُ أنتُم لَهُم. هَذِهِ هِيَ الشَّرِيعَةُ وَالأنبِيَاءُ" (متى 7: 12).
    وعلَّمَنا الرَّبُّ أن نصلِّيَ ليسَ فقط بالكلامِ بل بالعملِ أيضًا. وقد صلَّى هو وتضرَّعَ كثيرًا، وبيَّنَ لنا بمثالِه ما يجبُ علينا نحن أن نعملَه، كما كُتِب: "أمَّا هو فكانَ يعتزِلُ في البراري ويصلِّي" (ر. لوقا 5: 16) وأيضًا: " ذَهَبَ إلَى الجَبَلِ لِيُصَلِّيَ، فَأحيَا اللَيلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاةِ لله" (ر. لوقا 6: 12).
    كانَ الرَّبُّ يصَلِّي ويسألُ، لا لنفسِه، - وماذا يسألُ لنفسِه هو البارُّ القدُّوس؟ بل كانَ يسألُ  من أجلِ معاصِينا، كما صرَّحَ هو نفسُه بذلك حينَ قالَ لبطرس: "سمعانُ سمعانُ، هُوَذَا الشَّيطَانُ قَد طَلَبَكُم لِيُغَربِلَكُم كَمَا تُغَربَلُ الحِنطَةُ، وَلَكِنيِّ دَعَوتُ لَكَ ألا تَفقِدَ إيمَانَكَ" (لوقا 22: 31- 32). وصلَّى إلى الآبِ أيضًا من أجلِ الجميعِ قائلًا: "لا أدعُو لَهُم وَحدَهُم، بَل أدعُو أيضًا لِلَّذِينَ يُؤمِنُونَ عَن كَلامِهِم، فَلْيَكُونُوا بِأجمَعِهِم وَاحِدًا،كَمَا أنَّكَ فِيَّ، يَا أبَتِ، وَأنَا فِيكَ. فَلْيَكُونُوا هُم أيضًا فِينَا" (يوحنا17: 20- 21).
    عظيمةٌ هي رحمةُ الله ورأفتُه لخلاصِنا.لم يكتفِ بأن يَفدِيَنا بدمِه، بل صلَّى من أجلِنا. وماذا سألَ الآبَ لنا؟ كما أنَّ الآبَ والابنَ هما واحدٌ، طلبَ أن نكونَ نحن أيضًا مقيمين في الوحدةِ نفسِها.