Follow by Email

jeudi 2 juin 2016

من الكتاب في الأخلاق للقديس غريغوريوس الكبير البابا في سِفر أيوب (الكتاب 29: 2- 4؛ PL 76: 478- 480) تتقدَّم الكنيسة مثلَ الفجر الطَّالع


    عندَ طلوعِ النَّهارِ أو الفجرِ يتحوَّلُ الظلامُ إلى نور. لذلك سُمِّيَتْ بحقٍّ كنيسةُ المختارين كلُّها بالفجرِ وبالنَّهارِ الطَّالعِ. فهي تسيرُ من ليلِ الكفرِ إلى نورِ الإيمان، مثلَ الفجرِ الذي يصيرُ بعدَ الظَّلامِ نهارًا، وقد غشِيَه بهاءُ الضِّياءِ العُلوِيّ. ولهذا حسنًا قالَ نشيدُ الأنشاد: "مَن هَذِهِ المُتَقَدِّمَةُ مِثلَ الفَجرِ المُشرِقِ؟" (راجع نشيد ٦: ١٠). سُمِّيَتْ الكنيسةُ المقدَّسةُ الرَّاغبةُ في مكافأةِ الحياةِ السَّماويةِ بالفجرِ، لأنَّها تَشِعُّ بنورِ العدلِ والبِرِّ بعدَ أن تهجُرَ ظُلُماتِ الخطايا.
    ولكنَّ هناك شيئًا أدَقَّ يجبُ أن نراه في صورةِ الفجرِ وطلوعِ النَّهار. الفجرُ أو طلوعُ النَّهارِ يبشِّرُ فقط بأنَّ الليلَ فد انقضى، ولا يُظهِرُ بعدُ ضياءَ النَّهارِ كلِّه. ولكنَّه يستقبلُ النُّورَ بقدرِ ما يَدفعُ الظَّلامَ، ويبقى النُّورُ ممزوجًا بالظَّلام. ونحن كلُّنا الذين نطلُبُ الحقيقةَ في هذه الحياة ألا نُشْبِهُ الفجرَ وطلوعَ النَّهار؟ لأنَّ أعمالَنا مزيجٌ من النُّورِ والظَّلام. ففي بعضِ الأمورِ نقفُ في النُّور، وفي غيِرها لا نخلو من بقايا الظَّلام. ولهذا يخاطبُ النَّبيُّ اللهَ قائلا: "لا يُبرَّرُ أحَدٌ مِنَ الأحيَاءِ أمَامَكَ" (مزمور ١٤٢: ٢). وكُتِبَ أيضًا: "مَا أكثَرَ مَا نَزِلُّ نَحنُ جَمِيعًا" (يعقوب٣: ٢).
    ولمَّا قالَ القدِّيسُ بولس: " لَقَد تَنَاهَى اللَيْلُ"، لم يقُلْ: " وحلَّ النَّهار"، بل قال: "وَاقتَرَب النَّهار"(ر. روما ١٣: ١٢). لم يقُلْ إنَّ النَّهارَ أتى بعدَ أن انقضى الليل، بل قال إنَّه أخذَ يقتربُ. فهو يبيِّنُ بذلك أنَّ الفجرَ آتٍ من غيِر شكٍّ، قبلَ الشَّمسِ وبعدَ الظَّلام.
     سوف تكونُ كنيسةُ المختارين تمامَ النَّهارِ والضِّياء، حينَ لا يَبقَى ظِلُّ الخطيئةِ ممتزجًا بها. سوف تكونُ تمامَ النَّهار عندَما تُضيءُ ضياءً كاملًا بحرارةِ النُّورِ الدَّاخليِّ. ومن ثَمَّ حسنًا فعلَ حِينَ قالَ إنَّ الفجرَ هو مثلُ حالةِ عبور، وذلك حينَ يقول: "عَرَّفْتَ الفَجرَ مَكَانَهُ" (أيوب٣٨: ١٢). مَن يُعَرَّفْ مكانَه يتحرَّكْ من مكانٍ إلى مكان. وما هو مكانُ الفجرِ إلا ضياءُ الرُّؤيةِ الأبديّةِ الكامل؟ فإذا بلَغَه لن يكونَ فيه شيءٌ من ظُلُماتِ الليلِ المنقضي. كانَ الفجرُ يسعى لبلوغِ مكانِه، بحسب ما قال صاحبُ المزمور: "ظَمِئَتْ نَفسِي إلى الله، إلى الإلَهِ الحَيِّ. مَتَى آتِي وَأحضُرُ أمَامَ الله؟" (مزمور ٤٢: ٣). إلى هذا المكانِ الذي كانَ يعرِفُه كانَ الفجرُ يسارِعُ لكي يصلَ إليه، مثلَ بولسَ الذي كانَ يقولُ إنَّه يرغبُ في أن ينحلَّ ويكونَ مع المسيح. وقالَ أيضًا: "الحَيَاةُ عِندِي هِيَ المَسِيحُ، وَالمَوتُ رِبحٌ" (فيلبي ١: ٢١).