Follow by Email

vendredi 3 juin 2016

من كتابات القديس بونافنتورا الأسقف (الكتاب الثالث، شجرة الحياة، 29- 30 و47: من مجموعة المؤلفات 8، 79) عندك ينبوع الحياة



انظُرْ أنتَ أيُّها الإنسانُ الذي نِلْتَ الفِداء، مَن هو وما هو وكم هو عظيمٌ ذاك الذي عُلِّقَ على الصَّليبِ من أجلِكَ، مَن بموتِه وهبَ الحياةَ للموتى، ومَن بكَتْ موتَه الأرضُ والسَّماءُ، والصَّخرُ الصَّلبُ له تشقَّقَ.
    وحتى تُكَوَّنَ الكنيسةُ من جنبِ المسيحِ الرَّاقِدِ على الصَّليبِ، ويَتِمَّ الكتابُ القائلُ: "سينظرون إلى مَن طَعَنُوا" (يوحنا ١٩: ٣٧) شاءَتْ الحِكمةُ الإلهيَّةُ أن يَطعنَه أحدُ الجنودِ بحربةٍ فيفتحَ جنبَه المقدَّس. ولـمَّا خرجَ منه دمٌ وماءٌ انسكبَ ثمنُ فدائِنا فائضًا من رأسِ النَّبعِ أي من أعماقِ قلبِه الأقدس. هو الذي منحَ القوَّةَ لأسرارِ الكنيسةِ لتَهَبَ حياةَ النِّعمةِ، ولِتَهَبَ من يَحيَوْنَ في المسيحِ الشَّرابَ المتدفِّقَ من النَّبعِ الحيِّ "للحياةِ الأبديَّة" (ر. يوحنا ٤: ١٤).
    هيا انهَضِي إذًا، يا عروسَ المسيح، وكوني مثلَ الحمامةِ التي "تُعشِّشُ في أطرافِ شَفَا الهُوَّةِ" (إرميا ٢٨: ٢٨)، وهناك مثلَ العصفورِ الذي وجدَ له مأوَى (مزمور ٨٣: ٤)، لا تَكُفِّي عن السَّهَرِ، ومثلَ اليمامةِ ضَعِي هناك صِغارَ حُبِّكِ العفيف. هناك اقترِبي "لتستقِيَ المياهَ من ينابيعِ الخلاص" (أشعيا ١٢:٣). هذا هو اليَنبوعُ المتدفِّقُ من وسَطِ الفِردوسِ المتفرِّعِ في الجهاتِ الأربع (ر.تكوين ٢: ١٠)، وفي القلوبِ العابدةِ والذي يُروِي الأرضَ كلَّها ويُخصِبُها.  
    أسرعي إلى يَنبوعِ الحياةِ والنُّورِ، بشَوقٍ مُتَّقِدٍ، أيًّا كُنْتِ، أيَّتُها النَّفسُ العابِدةُ لله، واهتِفي إليه من صميمِ قلبِكِ: "يا لَبَهاءِ الله العَلِيِّ الذي يَجِلُّ عن الوَصفِ، ويا لَصَفاءِ الضَّوءِ الصَّادرِ عن النُّورِ الأزليِّ، ويا لَلحياةِ الواهبَةِ كلَّ حياة، ويا لَلنُّورِ الذي يُنيرُ كلَّ نور، والحافظِ للأنوارِ المتعدِّدةِ بهاءَها السَّرمديِّ في ضيائِها الأزليِّ السَّاطعِ منذ الفَجرِ الأزلِيِّ أمامَ عرشِك الإلهيِّ".
    أيُّها النُّورُ الأزليُّ وغيرُ المـُدرَكِ، يا فيضًا مضيئًا وعذبًا من الينبوعِ الخافي أمامَ عيونِ جميعِ المائتِين، يا مَن عُمقُه لا يُسبَرُ، وعُلُوُّهُ لا حدَّ له، وسَعَتُه لا تُقاسُ وصفاؤُهُ لا يُعكِّرُه معكِّر. 
منك يتدفَّقُ النَّهرُ الذي "يفرِّحُ مدينةَ الله (مزمور ٤٥: ٥) حيث نُنشِدُ لكَ أناشيدَ الحمدِ "بصوتِ التَّهليلِ وفرَحِ المعيِّدين" (ر. مومور ٤١:٥)، ولكَ نَشهَد ُبما عرَفناهُ واختبَرناه "أنَّ يَنبوعَ الحياةِ عندَكَ وبنورِكَ سنعايِنُ النُّور" (مزمور٣٥: ١٠).