Follow by Email

dimanche 19 juin 2016

من كتابات فاوستينُس الكاهن في الثالوث الأقدس (رقم 39-40 : CCL 69 ، 340-341) المسيح ملكٌ وكاهنٌ للأبد


    صارَ مخلِّصُنا فعلًا مسيحًا بحسبِ الجسد. فهو ملكٌ حقًّا وكاهنٌ حقًّا. فهو نفسُه كلا الأمرَيْن، لأنَّه يجبُ ألا يَنقُصَه شيء. واسمَعْ ما يقولُ الكتابُ فيه لمّا صارَ ملِكًا: " إنِّي مَسَحتُ مَلِكِي عَلَى جَبَلِي المُقّدَّسِ صِهيُونَ" (مزمور ٢: ٦). واسمعْ شهادةَ الآبِ له أنَّه كاهن: "أقسَمَ الرَّبُّ وَلَن يَندَمَ، أن أنتَ كَاهِنٌ لِلأبَدِ عَلَى رُتبَةِ مَلكِيصَادَق" (مزمور ١٠٩: ٤). هارون هو أوّلُ من مُسِحً بالزَّيتِ بحسبِ حكمِ الشَّريعةِ فصارَ كاهنًا. ومع ذلك، لم يقُلْ "على رتبةِ هارون"، حتى لا يُظَنَّ أنَّ كهنوتَ المسيحِ جاءَه بالوراثة. لأنَّ كهنوتَ هارون كهنوتٌ وراثيٌّ. وأمَّا كهنوتُ المخلِّصِ فلا يُنقَلُ بالوراثةِ إلى آخرَ، لأنَّه هو نفسُه كاهنٌ إلى الأبد. ولهذا كُتِب: أنتَ كاهنٌ إلى الأبدِ على رتبةِ ملكيصادَق.
    فالمخلِّصُ هو إذًا بحسبِ الجسدِ ملكٌ وكاهنٌ. إلا أنَّه لم يُمسَحْ مسحةً جسديّةً بل روحيّة. كانَ الملوكُ والكهنةُ في الشَّريعةِ اليهوديّةِ يُمسَحُون مسحةً جسديّة. كانوا كهنةً أو ملوكًا. ولم يكونوا كلا الأمرَيْن معًا. بل كانوا إمّا كهنةً وإمّا ملوكًا. الكمالُ والتَّمامُ في كلِّ شيءٍ أمرٌ واجبٌ للمسيحِ وحدَه، هو الذي جاءَ ليُتمِّمَ الشَّريعة.
    لم يكُنْ أحدٌ، في الشريعةِ القديمةِ، يجمعُ بينَ الكهنوتِ والملوكيّة، بل كانَ كلُّ واحدٍ يمُسَحُ مسحةً جسديّةً فيصيرُ فقط كاهنًا أو ملكًا، ومع ذلك كان يُسمَّى "مسيحًا". وأمّا المخلِّصُ الذي هو المسيحُ الحقُّ فقد مُسِحَ بالرُّوحِ القدسِ، ليَتِمَّ ما جاءَ في الكتابِ المقدَّس: "لِذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إلَهُكَ بِزَيتِ الابتِهَاجِ دُونَ أصحَابِكَ" (مزمور ٤٤: ٨). فالمسحةُ التي مُسِحَ بها تفوقُ المسحةَ التي مُسِحَ بها أصحابُه الذين يحملون الاسمَ نفسَه أي اسمَ "مسيح"، لأنَّه مُسِحَ هو بزيتِ الابتهاج. وزيتُ الابتهاجِ ما هو إلا الرُّوحُ القُدُس.
    نعرفُ من المخلِّصِ نفسِهِ أنْ هذا هو التَّفسيُر الصَّحيحُ. فهو لمّا أخذَ الكتابَ، في مَجْمَعِ النَّاصرة، وفتحَه وقرأَ في سفرِ أشعيا النَّبيّ: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأنَّهُ مَسَحَنِي" (لوقا ٤: ١٨)، قالَ إنَّ النُّبُؤَةَ تَمَّتْ الآنَ أمامَ سامعِيها. وقالَ بطرسُ أيضًا، هامةُ الرُّسُل، إنَّ المسحةَ التي قَبِلَها المسيحُ المخلِّصُ هي الرُّوحُ القُدُسُ، وهي قدرةُ الله. ولذلك لمَّا كانَ يخاطِبُ الرَّجلَ الأمينَ والرَّحيمَ أي قائدَ المائة، كما جاءَ في سِفرِ أعمالِ الرُّسُل، قال: "وَكَانَ بَدؤُهُ في الجَلِيلِ بَعدَ المَعمُودِيَّةِ الَّتِي نَادَى بِهَا يُوحَنَّا، في شَأنِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ كَيفَ أنَّ الله مَسَحَهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُدرَةِ. فَمَضَى مِن مَكَانٍ إلى آخَرَ يَعمَلُ الخَيرَ وَيُبرِئُ جَمِيعَ الَّذِينَ استَولَى عَلَيهِم إبلِيسُ." (أعمال١٠: ٣٧- ٣٨).
    تَرى أنَّ بطرسَ أيضًا قالَ إنَّ يسوعَ الإنسانَ مُسِحَ بالرُّوحِ القُدُسِ والقدرة. ومن ثمَّ صارَ يسوعُ الإنسانُ نفسُه مسيحًا حقًّا، وقد أصبحَ بمسحةِ الرُّوحِ القُدُسِ ملِكًا وكاهنًا إلى الأبد.