Follow by Email

dimanche 12 juin 2016

من كتابات القديس قبريانس الأسقف والشهيد في الصلاة الربية (رقم 4-6 : CSEL 3، 268-270) لتصدرْ الصلاةُ عن قلبٍ متواضع


    لتكُنْ صلاةُ المصلِّين وكلامُهم بنظامٍ وهدوءٍ وخشوع. لنفكِّرْ أنَّنا ماثلون أمامَ حضرةِ الله. يجبُ أن نحترمَ الحضرةَ الإلهيَّةَ بمظهرِ جسمِنا وطريقةِ كلامِنا. الصُّراخُ والضَّجيجُ لا يَلِيقان، وعكسَ ذلك فإنَّ الصلاةَ تَتِمُّ بهَيْبَةٍ وخُشوع. وقد علَّمَنا الرَّبُّ بسلطانِه أن نصلِّيَ في الخُفيةِ في الأماكنِ البعيدةِ والمنزويةِ وفي المخادعِ. ويتَّفقُ هذا التَّعليمُ مع الإيمانِ، لأنّنا نعلمُ أنّ الله حاضرٌ في كلِّ مكان، وهو يسمعُ الجميعَ ويرى الجميعَ، وهو مالئٌ بجلالِه كلَّ مكانٍ ونافذٌ إلى كلِّ مكان، كما كُتِبَ: “أنَا إلهٌ قريبٌ، ولسْتُ إلهًا بعيدًا. أيَختَبِئُ إنسَانٌ في الَخَفايَا وَأنَا لا أرَاهُ؟ ألَسْتُ ماَلِئَ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ؟" (ر. إرميا ٢٣: ٢٣-٢٤) وكُتِبَ أيضًا: "عَيْنَا الرَّبّ في كُلِّ مَكَانٍ تُرَاقِبَانِ الأشرَارَ وَالأخيَارَ" (أمثال ١٥: ٣) 
 فعندَما نجتمعُ مع الإخوةِ ونحتفلُ بالذَّبيحةِ الإلهيّةِ مع كاهنِ الله، يجبُ أن نتذكَّرَ واجبَ الاحتشامِ والنِّظام، فلا نُرسِلُ الكلامَ هنا وهناك بأصواتٍ مُنكَرَة. والطَّلَباتُ التي يجبُ أن نرفعَها باحتشامٍ لا نعبِّرُ عنها بالثَّرثرةِ والضَّجيج، لأنَّ الله لا يسمعُ الصَّوتَ بل القلب، ولا هو بحاجةٍ لأنْ يُنَبَّهَ بالضَّجيج. فهو يرى الأفكارَ كما قالَ الرَّبُّ نفسُه: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ السُّوءَ فِي قُلُوبِكُم؟" (متى ٩: ٤). وقالَ في مكانٍ آخَر: " فَتَعلَمُ جَمِيعُ الكَنَائِسِ أنِّي أنَا الفَاحِصُ عَن الكُلَى وَالقُلُوبِ" (رؤيا ٢: ٢٣).
    هذا ما عرَفَتْه وعمِلَتْ به حنَّةُ النَّبيَّةُ الواردُ ذكرُها في سفرِ الملوكِ الأوّل. وهي رمزٌ للكنيسة. لم تَرفعْ صلاتهَا أمامَ الله بالصُّراخِ بل كانَتْ صلاتُها في خفايا صدرِها صامتةً خاشعة. كانَتْ صلاتُها خفيَّةً وإيمانُها واضحًا جليًّا. لم تتكلَّمْ بشفتَيْها بل بقلبِها، لأنَّها علِمَتْ أنّ اللهَ يستمعُ لمثلِ هذه الصَّلاة، فنالَتْ ما سألَتْ، لأنَّها سألَتْ بأمانة. قالَ الكتابُ المقدَّس: "كانَتْ تتكلَّمُ في قلبِها، وشَفَتاها فقط تتحرَّكان. لا يُسمَعُ صوتُها"، ولكنَّ الله سمِعَها. (ر. ١ صموئيل ١: ١٣). وجاءَ فِي المزامير: " فِي قُلُوبِكُم تَحَدَّثُوا، وَعَلَى مَضَاجِعِكُم كُونُوا صَامِتِينَ" (مزمور٤: ٥). وهذا ما يعلِّمُنا إيّاه الرُّوحُ القُدُسُ في إرميا النَّبيّ: "قُولُوا في قُلُوبِكُم: لَكَ يَا سَيِّدُ يَنبَغِي السُّجُودُ" (باروك ٦: ٥).
    ولا يَنسَ المصلِّي، أيُّها الإخوةُ الأحبّاء، كيف صلَّى العشّارُ والفرِّيسيُّ في الهيكل. لم يرفَعِ العشّارُ بَصَرَه إلى السَّماءِ بسفاهةٍ ولا رفعَ يدَيْه بوقاحة، بل قَرعَ صدرَه وشَكا خطاياه في داخلِ نفسِه، وطَلَبَ العونَ من رحمةِ الله، بينَما كانَ الفرِّيسيُّ مُعجَبًا بنفسِه. فاستحقَّ العشّارُ أن يُبَرَّرَ لأنّه سألَ ولم يضَعْ رجاءَه في برارةِ نفسِه، إذ لا أحدَ بارٌّ أمامَ الله، بل اعترفَ بخطاياه وصلَّى بتواضع، واستَجابَ له مَن يَغفِرُ للمتواضعين.